باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرا
حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال : حدثني ابن أبي مليكة ، عن القاسم ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة لعائشة وحفصة ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث ، فقالت حفصة : ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر ؟ فقالت : بلى . فركبت ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم عليها ، ثم سار حتى نزلوا وافتقدته عائشة ، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول : يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني ! ولا أستطيع أن أقول له شيئا . مطابقته للترجمة ظاهرة .
وأبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، وعبد الواحد بن أيمن - ضد الأيسر - المخزومي المكي يروي عن عبد الله بن عبيد بن أبي مليكة - بضم الميم - عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد ، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن أحمد بن سليمان ؛ ثلاثتهم عن أبي نعيم . قوله ( كان إذا خرج ) ؛ أي إلى السفر ( أقرع بين نسائه ) ، وقال النووي : هو واجب في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي وجوب القسم في حقه خلاف ، فمن قال بوجوبه يجعل إقراعه واجبا ، ومن لم يوجبه يقول : فعل ذلك من حسن العشرة ومكارم الأخلاق وتطييبا لقلوبهن .
وأما الحنفيون فقالوا : لا حق لهن في القسم حالة السفر ، يسافر الزوج بمن شاء ، والأولى أن يقرع بينهن . وقال القرطبي : وليست أيضا بواجبة عند مالك . وقال ابن القصار : ليس له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة - وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي .
وقال مالك مرة : له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة . وقال المهلب : وفيه العمل بالقرعة في المقاسمات والاستهام ، وفيه أن القسم يكون بالليل والنهار . قوله ( فطارت القرعة لعائشة ) ؛ أي حصلت لها ولحفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ، وطير كل إنسان نصيبه ، يعني كان هذا في سفرة من سفرات النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله ( يتحدث ) جملة في محل النصب على الحال ، والحاصل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان في هذه السفرة وكانت عائشة وحفصة معه ، فإذا كان الليل وهم سائرون يسير مع عائشة يتحدث معها كما هي عادة المسافرين لقطع المسافة ، واستدل به المهلب على أن القسم لم يكن واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لو كان واجبا عليه لحرم على حفصة ما فعلت في تبديل بعيرها ببعير عائشة ، ورد عليه ذلك ؛ لأن القائل بوجوب القسمة عليه لا يمنع من حديث الأخرى في غير وقت القسم لجواز دخوله إلى غير صاحبة النوبة ، وقد روى أبو داود والبيهقي - واللفظ له - من طريق ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : قل يوم إلا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف علينا جميعا ، فيقبل ويلمس ما دون الوقاع ، فإذا جاء إلى التي هو يومها بات عندها . انتهى ، وعماد القسم في حق المسافر وقت نزوله ، وحالة السير ليست منه ليلا كان أو نهارا . قوله ( فقالت حفصة ) ؛ أي قالت حفصة لعائشة : ( ألا تركبين الليلة ) ؛ أي في هذه الليلة ( بعيري وأركب أنا بعيرك تنظرين ) إلى ما لم تكوني تنظرين ( وأنظر ) أنا إلى ما لم أنظر ! وإنما حمل حفصة على ذلك الغيرة التي تورث الدهش والحيرة ، وفيه إشعار أن عائشة وحفصة لم تكونا متقارنتين ، بل كانت كل واحدة منهما في جهة .
قوله ( فقالت : بلى ) ؛ أي فقالت عائشة لحفصة بلى اركبي جملي وأنا أركب جملك . قوله ( فركبت ) ؛ أي حفصة جمل عائشة . قوله ( فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جمل عائشة ) بناء على أن عائشة على جملها والحال أن عليه حفصة ، قال الكرماني : ويروى عليها على تأويل الجمل بمؤنث .
قوله ( فسلم عليها ) ؛ أي على حفصة ، ولم يذكر في الخبر أنه تحدث ، ويحتمل أنه تحدث ولم ينقل . قوله ( وافتقدته عائشة ) ؛ أي افتقدت عائشة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، أي في حالة المسايرة ، لأن قطع المألوف صعب . قوله ( جعلت رجليها ) ؛ أي جعلت عائشة رجليها ( بين الإذخر ) وهو نبت معروف توجد فيه الهوام غالبا في البرية ، وإنما فعلت هذا لما عرفت أنها الجانية فيما أجابت إلى حفصة وأرادت أن تعاقب نفسها على تلك الجناية .
قوله ( وتقول : يا رب سلط علي ) هكذا في رواية المستملي بحرف النداء ، وفي رواية غيره رب سلط بدون حرف النداء ، وكذا في رواية مسلم . قوله ( تلدغني ) بالغين المعجمة . قوله ( ولا أستطيع أن أقول له ) ؛ أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الكرماني : الظاهر أنه كلام حفصة ، ويحتمل أن يكون كلام عائشة .
قلت : الأمر بالعكس ، بل الظاهر أنه من كلام عائشة ، وظاهر العبارة يشعر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعرف القصة ، ويحتمل أن يكون قد عرفها بالوحي وبالقرائن وتغافل - صلى الله عليه وسلم - عما جرى إذ لم يجر منها شيء يترتب عليه حكم ، وعند مسلم وتقول : رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني ، رسولك لا أستطيع أن أقول له شيئا ! ورسولك بالنصب بإضمار فعل تقديره انظر رسولك ، ويجوز الرفع على الابتداء وإضمار الخبر تقديره هو رسولك . وقال المهلب : وفيه أن دعاء الإنسان على نفسه عند الحرج معفو عنه غالبا ، لقول الله عز وجل : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ الآية .