باب الغيرة
حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم الفواحش ، وما أحد أحب إليه المدح من الله . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وحفص هو ابن غياث ، والأعمش هو سليمان ، وشقيق هو ابن سلمة ، وعبد الله هو ابن مسعود .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد بهذا السند ، وأخرجه مسلم في التوبة عن عثمان بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه النسائي في التفسير عن أبي كريب وغيره . قوله ( ما من أحد ) ، كلمة من زائدة ، وزيادتها في النفي لا خلاف فيه ، والخلاف في زيادتها في الإثبات . قوله ( أغير ) أفعل التفضيل ، وقد مر معنى الغيرة في حق الله عز وجل ، ويجوز في أغير الرفع والنصب بناء على اللغتين الحجازية والتميمية في كلمة ما .
قوله ( من أجل ذلك ) ؛ أي من أجل أن الله أغير من كل أحد حرم الفواحش ، وهو جمع فاحشة وهي كل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال ، وقال ابن الأثير : الفحش والفاحشة والفواحش في الحديث كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي ، وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا . قوله ( ما أحد ) بالرفع ؛ لأنه اسم ما . وقوله ( أحب ) بالنصب خبرها إن جعلتها حجازية ، وترفعه على أنه خبر لأحد إن كانت تميمية .
وقوله ( المدح ) مرفوع ؛ لأنه فاعل أحب ، وقال الكرماني : وهو مثل مسألة الكحل ، ويروى بالرفع على إلغاء عمل ما . قيل : ولا يجوز أن يرفع أحب على أنه خبر للمدح أو مبتدأ والمدح خبره ؛ لأنك تكون حينئذ تفرق بين الصلة والموصول بالخبر ، لأن من الله صلة أحب وتمامه ، فلا تفرق بين تمام المبتدأ وصلته بالخبر الذي هو المدح ، وحقيقة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحد أحب إليه المدح من الله أنه مصلحة للعباد ؛ لأنهم يثنون عليه سبحانه وتعالى فيثيبهم فينتفعون ، والله سبحانه غني عن العالمين لا ينفعه مدحهم ولا يضره تركهم ذلك . وفيه تنبيه على فضل الثناء عليه وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الأذكار .