حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الغيرة

حدثنا محمود ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا هشام قال : أخبرني أبي ، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه ، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء ، وأخرز غربه وأعجن ، ولم أكن أحسن أخبز ، وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق ، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأسي ، وهي مني على ثلثي فرسخ ، فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه نفر من الأنصار ، فدعاني ، ثم قال : إخ إخ ! ليحملني خلفه ، فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته ، وكان أغير الناس ، فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني قد استحييت فمضى ، فجئت الزبير فقلت : لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه ، فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك ! فقال : والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه . قالت : حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس ، فكأنما أعتقني ! . مطابقته للترجمة في قوله وذكرت الزبير وغيرته ، وفي قوله وعرفت غيرتك .

ومحمود هو ابن غيلان - بالغين المعجمة - المروزي ، وأبو أسامة هو حماد بن أسامة ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام . والحديث أخرجه البخاري في الخمس مقتصرا على قصة النوى ، وأخرجه مسلم في النكاح عن إسحاق بن إبراهيم وفي الاستئذان عن أبي كريب ، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي . قوله ( الزبير ) هو ابن العوام .

قوله ( من مال ) ، والمال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة ، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان ، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم ، والظاهر أن المراد بالمال هنا الإبل لأنها أعز أموال العرب . قوله ( ولا مملوك ) عطف خاص على عام ، والمراد به العبيد والإماء . قوله ( ولا شيء ) عطف عام على خاص ، وهو يشمل كل ما يتملك ويتمول ، لكن أرادت إخراج ما لا بد منه من مسكن وملبس ومطعم ونحوها من الضروريات ، ولهذا استثنت منه الناضح وهو الجمل الذي يستقَى عليه ، فإن قلت : الأرض التي أقطع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - للزبير رضي الله تعالى عنه من أعز الأموال وأفخرها ! قلت : لم تكن مملوكة له ولا يملك رقبتها ، وإنما ملك منفعتها ، فلذلك لم تستثنها أسماء رضي الله تعالى عنه .

قوله ( فكنت أعلف فرسه ) ، وزاد مسلم في رواية أبي كريب عن أبي أسامة وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى وأرضخه وأعلفه ، ولمسلم أيضا من طريق ابن أبي مليكة عن أسماء كنت أخدم الزبير خدمة البيت ، وكان له فرس وكنت أسوسه ، فلم يكن من خدمته شيء أشد علي من سياسة الفرس ؛ كنت أحتش له فأقوم عليه . قوله ( وأستقي الماء ) ، وفي رواية السرخسي وأسقي بغير التاء المثناة من فوق ، وهو على حذف المفعول ؛ أي وأسقي الفرس أو الناضح الماء ، وأستقي الذي هو من باب الافتعال أشمل وأكثر فائدة . قوله ( وأخرز ) بخاء معجمة وراء ثم زاي ، من الخرز وهو الخياطة في الجلود ونحوها .

قوله ( غربه ) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالباء الموحدة ، وهو الولد الكبير . قوله ( ولم أكن أحسن ) بضم الهمزة ، و ( أخبز ) بفتح الهمزة ، والمعنى : ولم أكن أحسن أن أخبز الخبز . قوله ( وكان تخبز جارات لي ) ، وهو جمع جارة ، وفي رواية مسلم : وكان يخبز لي .

قوله ( وكن ) ؛ أي الجارات ( نسوة صدق ) بالإضافة والصفة ، والصدق بمعنى الصلاح والجودة ، أرادت كن نساء صالحات في حسن العشرة والوفاء بالعهد ورعاية حق الجوار . قوله ( وكنت أنقل النوى من أرض الزبير ) ، وكانت هذه الأرض مما أفاء الله تعالى على رسوله من أموال بني النضير ، وكان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقطعه إياها ، وكان ذلك في أوائل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة . قوله ( وهي مني ) ؛ أي الأرض المذكورة من مكان سكناي ( على ثلثي فرسخ ) ، والفرسخ ثلاثة أميال ، كل ميل أربعة آلاف خطوة .

قوله ( والنوى ) الواو فيه للحال . قوله ( إخ إخ ) بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة ، وهي كلمة تقال عند إناخة البعير . وقال الزمخشري : نخ مشددة ومخففة صوت إناخته ، وهخ وإخ مثله .

قوله ( ليحملني خلفه ) أرادت به الارتداف ، وإنما عرض عليها الركوب لأنها ذات محرم منه ؛ لأن عائشة عنده - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهي أختها ، أو كان ذلك قبل الحجاب كما فعل بأم صبية الجهنية . قوله ( فاستحييت ) بياءين على الأصل ؛ لأن الأصل حَيِيَ ، وفي لغة استحيت بياء واحدة ، يقال : استحى واستحيى . قوله ( قال : والله لحملك النوى ) ؛ أي قال الزبير لأسماء والله لحملك النوى ، اللام فيه للتأكيد ، و حملك مصدر مضاف إلى فاعله ، و النوى مفعوله ، ( كان أشد علي ) خبر المبتدأ ؛ أعني قوله لحملك فإنه مبتدأ .

قوله ( كان أشد علي من ركوبك معه ) كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية السرخسي كان أشد عليك ، وليست هذه اللفظة في رواية مسلم ، ووجه قول الزبير هذا أنه لا عار في الركوب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف حمل النوى فإنه يتوهم منه الناس خسة النفس ودناءة الهمة وقلة التمييز ، وأما عدم العار في الركوب معه - صلى الله عليه وسلم - فلما ذكرنا عن قريب ، وأما وجه صبرها على ذلك وسكوت زوجها وأبيها على ذلك فلكونهما مشغولين بالجهاد وغيره وكانا لا يتفرغان للقيام بأمور البيت ولضيق ما بأيديهما عن استخدام من يقوم بذلك . قوله ( حتى أرسل إلي ) بتشديد الياء ، و أبو بكر فاعل أرسل . قوله ( بخادم يكفيني .

) إلى آخره ، وفي رواية لابن أبي مليكة عند مسلم : جاء النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سبي فأعطاها خادما . والتوفيق بينهما بأن السبي لما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أبا بكر منه خادما ليرسله إلى بنته أسماء ، فصدق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المعطي ولكن وصل إليها بواسطة ، فافهم . واستدل قوم بهذه القصة - منهم أبو ثور - على أن على المرأة القيام بجميع ما يحتاج إليه زوجها من الخدمة ، والجمهور أجابوا عن هذا بأنها كانت متطوعة بذلك ولم يكن لازما .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث