باب غيرة النساء ووجدهن
حدثنا عبيد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى ! قالت : فقلت : من أين تعرف ذلك ؟ فقال : أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد ، وإذا كنت علي غضبى قلت لا ورب إبراهيم ! قالت : قلت : أجل ، والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك ! مطابقته للشطر الثاني من الترجمة . وعبيد بن إسماعيل الهباري القرشي الكوفي ، واسمه في الأصل عبد الله . وأبو أسامة حماد ابن أسامة يروي عن هشام عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها .
والحديث أخرجه مسلم في فضل عائشة عن أبي كريب عن أسامة . قوله ( حدثنا عبيد ) ، وفي رواية أبي ذر حدثني بالإفراد . قوله ( إني لأعلم .
) إلى آخره ، فيه أنه يعلم أن المرأة هل هي راضية على زوجها أو غضبى عليه بحالها من فعلها وقولها . قوله ( ورب إبراهيم ) إنما ذكرت إبراهيم دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنه أولى الناس به كما نص عليه القرآن ، وفيه دلالة على فطنة عائشة وقوة ذكائها . قوله ( أجل ) ؛ أي نعم .
قوله ( ما أهجر إلا اسمك ) ، قال الطيبي رحمه الله : هذا الحصر في غاية من اللطف ؛ لأنها أخبرت إذا كانت في غاية الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا يغيرها عن كمال المحبة المستغرقة ظاهرها وباطنها الممتزجة بروحها ، وإنما عبرت عن الترك بالهجران لتدل به على أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها فيه ، قال الشاعر : إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل وقال المهلب : قولها ما أهجر إلا اسمك يدل على أن الاسم من المخلوقين غير المسمى ، ولو كان عين المسمى وهجرت اسمه لهجرته بعينه ، ويدل على ذلك أن من قال أكلت اسم العسل لا يفهم منه أنه أكل العسل ، وإذا قلت لقيت اسم زيد لا يدل على أنه لقي زيدا ، وإنما الاسم هو المسمى في الله عز وجل وحده لا فيما سواه من المخلوقين لمباينته عز وجل وأسمائه وصفاته حكم أسماء المخلوقين وصفاتهم ، انتهى . والتحقيق في هذه المسألة أن قولهم الاسم هو المسمى على معان ثلاثة ؛ الأول : ما يجري مجرى المجاز . والثاني : ما يجري مجرى الحقيقة .
والثالث : ما يجري مجرى المعنى . فالأول نحو قولك رأيت جملا يتصور من هذا الاسم في نفس السامع ما يتصور من المسمى الواقع تحته لو شاهده ، فلما ناب الاسم من هذا الوجه مناب المسمى في التصور وكان التصور في كل واحد منهما شيئا واحدا صح أن يقال إن الاسم هو المسمى على ضرب من التأويل ، وإن كنا لا نشك في أن العبارة غير المعبر عنه . والثاني أكثر ما يتبين في الأسماء التي تشتق للمسمى من معان موجودة فيه قائمة به ، كقولنا لمن وجدت منه الحياة حي ولمن وجدت منه الحركة متحرك ، فالاسم في هذا النوع لازم للمسمى يرتفع بارتفاعه ويوجد بوجوده .
الثالث : العرب تذهب بالاسم إلى المعنى الواقع تحت التسمية ، فيقولون هذا مسمى زيد أي اسم هذا المسمى بهذه اللفظة التي هي الزاي والياء والدال ، ويقولون في المعنى هذا اسم زيد فيجعلون الاسم والمسمى في هذا الباب مترادفين على المعنى الواقع تحت التسمية كما جعلوا الاسم والتسمية مترادفين على العبارة .