باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك
حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم . مطابقته للترجمة يمكن أن يكون بينه وبين حديث عقبة بن عامر المذكور في أخبار باب الترجمة المذكورة ، وهو قوله لا يجوز طلاق الموسوس ، وقد علم أن الوسوسة من أحاديث النفس ، فإذا تجاوز الله عن عبده ما حدثت به نفسه يدخل فيه طلاق الموسوس أنه لا يقع . وهشام هو الدستوائي ، وزرارة - بضم الزاي وخفة الراء الأولى - ابن أوفى - على وزن أفعل ، من الوفاء - العامري قاضي البصرة .
والحديث مضى في العتق في باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ؛ فإنه أخرجه هناك عن الحميدي عن سفيان عن مسعر عن قتادة - إلى آخره ، وقد ذكرنا هناك أن الحديث أخرجه الجماعة ومضى الكلام فيه هناك . قوله ( ما حدثت به أنفسها ) بالفتح على المفعولية ، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم يريدون بغير اختيارها ، قلت : قوله بالضم ليس بجيد ، بل الصواب بالرفع ، ولا تعلق له بأهل اللغة ، بل الكل سائغ في اللغة : حدثت نفسي بكذا ، وحدثتني نفسي بكذا . قوله ( ما لم تعمل ) ؛ أي في العمليات ، أو تتكلم في القوليات .
وقال الكرماني : قالوا من عزم على ترك واجب أو فعل محرم ولو بعد عشرين سنة مثلا عصى في الحال . وأجاب بأن المراد بحديث النفس ما لم يبلغ إلى حد الجزم ولم يستقر ، أما إذا عقد قلبه به واستقر عليه فهو مؤاخذ بذلك الجزم ، نعم لو بقي ذلك الخاطر ولم يتركه يستقر لا يؤاخذ به بل يكتب له به حسنة . وفيه إشارة إلى أن هذا من خصائص هذه الأمة وأن الأمم المتقدمة كانوا يؤاخذون بذلك ، وقد اختلف أيضا هل كان ذلك يؤاخذ به في أول الإسلام ثم نسخ وخفف ذلك عنهم أو هو تخصيص وليس بنسخ ؟ وذلك قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فقد قال غير واحد من الصحابة - منهم أبو هريرة وابن عباس وابن عساكر - أنها منسوخة بقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا واعلم أن المراد بالكلام كلام اللسان ؛ لأنه الكلام حقيقة ، وقول ابن العربي المراد به الكلام النفسي وأن القول الحقيقي هو الموجود بالقلب الموافق للعلم - مردود عليه ، وإنما قاله تعصبا لما حكَى عن مذهبه من وقوع الطلاق بالعزم وإن لم يتلفظ ، وليس لأحد خلاف أنه إذا نوى الطلاق بقلبه ولم يتلفظ به أنه لا شيء عليه إلا ما حكاه الخطابي عن الزهري ومالك أنه يقع بالعزم ، وحكاه ابن العربي عن رواية أشهب عن مالك في الطلاق والعتق والنذر أنه يكفي فيه عزمه وجزمه في قلبه بكلامه النفسي ، وهذا في غاية البعد ، ونقضه الخطابي على قائله بالظهار وغيره ؛ فإنهم أجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يتلفظ به ، ولو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفا ، ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة ، وقد حرم الله الكلام في الصلاة ، فلو كان حديث النفس في معنى الكلام لكانت صلاته تبطل ، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة .
وممن قال إن طلاق النفس لا يؤثر : عطاء بن أبي رباح ، وابن سيرين ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، وجابر بن زيد ، وقتادة ، والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . واستدل به جماعة أنه إذا كتب بالطلاق وقع ؛ لأن الكتابة عمل ، وهو قول محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ، وشرط فيه مالك الإشهاد على الكتابة ، وجعله الشافعي غاية إن نوى به الطلاق وقع وإلا فلا ، وفي المحيط : إذا كتب طلاق امرأته في كتاب أو لوح أو على حائط أو أرض وكان مستبنيا ونوى به الطلاق يقع ، وإن لم يكن مستبنيا أو كتب في الهواء والماء لا يقع وإن نوى .