باب خيار الأمة تحت العبد أي : هذا باب في بيان جواز الخيار للأمة التي كانت تحت العبد إذا أعتقت ، وهذه الترجمة تدل على أن البخاري ترجح عنده قول من قال : كان زوج بريرة عبدا ، واعترض عليه بأنه ليس في حديث الباب أن زوجها كان عبدا ، وأجيب بأن عادته أنه يشير إلى ما في بعض طرق الحديث الذي يورده ، وقصة بريرة لم تتعدد ، فترجح عنده أنه كان عبدا أسود ، وأخرج الجماعة إلا مسلما عن عكرمة عن ابن عباس : أن زوج بريرة كان عبدا أسود ، فالبخاري أخرجه في هذا الباب ، وأخرجه أبو داود في الطلاق عن قتادة به ، وأخرجه الترمذي في الرضاع عن أيوب وقتادة عن عكرمة ، وأخرجه النسائي في القضاء عن خالد الحذاء به ، وأخرجه ابن ماجه في الطلاق عن خالد الحذاء عن عكرمة به ، وأخرجه الدارقطني وزاد فيه : وأمرها أن تعتد عدة الحرة ، هكذا عزاه عبد الحق في أحكامه للدارقطني ولم أجده فليراجع ، لكنه في ابن ماجه من حديث عائشة : وأمرها أن تعتد ثلاث حيض ، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وابن أبي ليلى والأوزاعي والزهري والليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، واستدلوا أيضا بما أخرجه مسلم وأبو داود عن هشام بن عروة عن عائشة محيلا على ما قبله في قصة بريرة ، وزاد : وقال : وكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاختارت نفسها ، ولو كان حرا لم يخيرها . انتهى . قيل : هذا الأخير من كلام عروة قطعا لوجهين : أحدهما أنه قال : وفاعله مذكر ، والثاني : أن النسائي صرح فيه بقوله : قال عروة : ولو كان حرا ما خيرها ، وكذلك رواه ابن حبان في ( صحيحه ) بلفظ النسائي ، وقال الطحاوي : يحتمل أن يكون هذا من كلام عائشة ، ويحتمل أن يكون من كلام عروة ، فبالاحتمال الأول لا يثبت الاحتجاج القطعي ، ولئن سلمنا أنه من كلام عائشة ولكن قد تعارضت روايتاها ، فسقط الاحتجاج بهما . ( فإن قلت ) : رواية الأسود قد عارضها من هو ألصق بعائشة وأقعد بها من الأسود وهما القاسم بن محمد وعروة بن الزبير ، فرويا عنها أنه كان عبدا ، والأسود كوفي سمع منها من وراء الحجاب ، وعروة والقاسم كانا يسمعان منها بغير حجاب لأنها خالة عروة وعمة القاسم ، فهما أقعد بها من الأسود . ( قلت ) : لا كلام في صحة الطريقين ، والأقعدية لا تنافي التعارض فافهم ، واستدلت طائفة بأنه كان حرا بحديث أخرجه الترمذي من حديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت : كان زوج بريرة حرا حين أعتقت وأنها خيرت ، وكذلك في رواية النسائي وابن ماجه : كان حرا ، وذهب طائفة أنه كان حرا وهم الشعبي والنخعي والثوري ومحمد بن سيرين وطاوس ومجاهد وأبو ثور وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وآخرون ، ولكنهم قالوا : الأمة إذا أعتقت فلها الخيار في نفسها سواء أكان زوجها حرا أو عبدا ، وإليه ذهب الظاهرية ، وقالت الطائفة الأولى : إن كان زوجها عبدا فلها الخيار وإن كان حرا فلا خيار لها . 25 - حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة وهمام ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : رأيته عبدا - يعني : زوج بريرة - مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو الوليد هشام ، وقد مر عن قريب ، وهمام بالتشديد ابن يحيى البصري . والحديث أخرجه أبو داود أيضا في الطلاق عن عثمان بن أبي شيبة ، والاحتجاج به على أنه كان عبدا حين أعتقت بريرة غير قوي لأن قوله : رأيته عبدا - يعني : زوج بريرة - لا يدل على أنه كان عبدا حين أعتقت بريرة ؛ لأن الظاهر أنه يخبر بأنه كان عبدا فلا يتم الاستدلال به ، والتحقيق فيه أن نقول : إن اختلافهم فيه في صفتين لا يجتمعان في حالة واحدة فنجعلهما في حالتين بمعنى أنه كان عبدا في حالة حرا في أخرى ، فبالضرورة تكون إحدى الحالتين متأخرة عن الأخرى ، وقد علم أن الرق تعقبه الحرية ، والحرية لا يعقبها الرق ، وهذا مما لا نزاع فيه ، فإذا كان كذلك جعلنا حال العبودية متقدمة وحال الحرية متأخرة ، فثبت بهذا الطريق أنه كان حرا في الوقت الذي خيرت فيه بريرة وعبدا قبل ذلك ، فيكون قول من قال : كان عبدا محمولا على الحالة المتقدمة ، وقول من قال : كان حرا محمولا على الحالة المتأخرة ، فإذا لا يبقى تعارض ، ويثبت قول من قال : إنه كان حرا فيتعلق الحكم به ، ولئن سلمنا أن جميع الروايات أخبرت بأنه كان عبدا فليس فيه ما يدل على صحة ما يذهب ممن يذهب أن زوج الأمة إذا كان حرا فأعتقت الأمة ليس لها الخيار ؛ لأنه ليس فيه ما يدل على ذلك لأنه لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنما خيرتها لأن زوجها عبد ، وهذا لا يوجد أصلا في الآثار ، فثبت أنه خيرها لكونها قد أعتقت ، فحينئذ يستوي فيه أن يكون زوجها حرا أو عبدا ، ورد بهذا على صاحب ( التوضيح ) في قوله : لأن خيارها إنما وقع من أجل كونه عبدا ، ولو اطلع هذا على ما قلنا من التحقيق لما قال هكذا .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/400403
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة