حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

كتاب الأطعمة

وعن أبي حازم ، عن أبي هريرة : أصابني جهد شديد فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية من كتاب الله ، فدخل داره وفتحها علي ، فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجهد والجوع ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على رأسي ، فقال يا أبا هريرة ، فقلت : لبيك رسول الله وسعديك ، فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي ، فانطلق بي إلى رحله فأمر لي بعس من لبن فشربت منه ، ثم قال : عد فاشرب يا أبا هر ، فعدت فشربت ، ثم قال : عد ، فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح ، قال : فلقيت عمر وذكرت له الذي كان من أمري ، وقلت له : تولى الله تعالى ذلك من كان أحق به منك يا عمر ، والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك ، قال عمر : والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي مثل حمر النعم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : فأمر لي بعس من لبن فشربت منه ، قوله : وعن أبي حازم موصول بالإسناد المتقدم ، وقد أخرجه أبو يعلى عن عبد الله بن عمر بن أبان ، عن محمد بن فضيل بسند البخاري فيه ، قوله : جهد الجهد بالضم : الطاقة ، وبالفتح : الغاية والمشقة ، والمراد به هنا الجوع الشديد ، قوله : فاستقرأته ، أي : سألته أن يقرأ علي آية من القرآن معينة على طريق الاستفادة ، وفي كثير من النسخ : فاستقريته ، بغير همز ، وهو جائز ؛ لأنه تسهيل . قوله : وفتحها علي ، أي : أقرأنيها ، وفي الحلية لأبي نعيم في ترجمة أبي هريرة من وجه آخر عنه أن الآية المذكورة من آل عمران وفيه : أقرأني وأنا لا أريد القراءة ، إنما أريد الإطعام ، فلم يفطن عمر مراده .

قوله : فخررت لوجهي ويروى : على وجهي ، أي : سقطت ، من خر يخر بالضم والكسر إذا سقط من علو ، وفي الحلية : وكان يومئذ صائما . قوله : فإذا كلمة مفاجأة ، قوله : إلى رحله ، أي إلى مسكنه ، قوله : بعس بضم العين وتشديد السين المهملة ، وهو القدح العظيم . قوله : حتى استوى بطني ، أي : حتى استقام لامتلائه من اللبن ، قوله : كالقدح بكسر القاف وسكون الدال المهملة ، وهو السهم الذي لا ريش له ، قوله : تولى الله تعالى من التولية والفاعل هو الله ، ومن مفعول ، ويروى : تولى ذلك ، أي : باشره ، من إشباعي ودفع الجوع عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : ولانا اللام فيه للتأكيد ، وهو مبتدأ ، أو قوله : وأقرأ لها خبره ، أي : للآية التي فتحها عليه عمر وأقرأ أفعل التفضيل ، قال بعضهم : فيه إشعار بأن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما قرأها عليه توقف فيها ، أو في شيء منها حتى ساغ لأبي هريرة ما قال ، ولذلك أقره عمر عليه .

قلت : ليس كذلك ، وإنما قال ذلك عتبا على عمر حيث لم يفطن حاله ، ولم يكن قصده الاستقراء ، بل كان قصده أن يطعمه شيئا ، ويوضح هذا ما روي عن أبي هريرة أنه قال : والله ما استقرأته الآية وأنا أقرأ بها منه إلا طمعا في أن يذهب بي ويطعمني . وأما قوله : ولذلك أقره عمر عليه ، فإنما معناه أنه من استحيائه منه حيث لم يطعمه سكت عنه ، ولم ينكر عليه ، وفي الذي قاله هذا القائل نوع نقص في حق عمر على ما لا يخفى ، قوله : لأن أكون اللام فيه مفتوحة للتأكيد ، قوله : أدخلتك أحب إلي من حمر النعم أراد به أن ضيافتك كانت عندي أحب إلي من حمر النعم ، أي : النعم ، أي : الحمر الإبل ، وهو أشرف أموال العرب ، ولفظ أحب أفعل التفضيل بمعنى المفعول ، وهذا حث من عمر وحرص على فعل الخير والمواساة . وفي الحديث التعريض بالمسألة والاستحياء ، وفيه ذكر الرجل ما كان أصابه من الجهد ، وفيه إباحة الشبع عند الجوع ، وفيه ما كان السلف عليه من الصبر على القلة وشظف العيش والرضا باليسير من الدنيا ، وفيه ستر الرجل حيلة أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذلك ، وفيه أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحب القرآن يحمله إلى بيته ويطعمه ما تيسر عنده والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث