حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب التسمية على الطعام والأكل باليمين

( باب التسمية على الطعام والأكل باليمين ) أي هذا باب في بيان التسمية على الطعام ، أي : القول باسم الله في ابتداء الأكل ، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - مرفوعا : إذا أكل أحدكم الطعام فليقل : باسم الله ، فإن نسي في أوله فليقل : باسم الله أوله وآخره . والأمر بالتسمية عند الأكل محمول على الندب عند الجمهور ، وحمله بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر ، وقال النووي : استحباب التسمية في ابتداء الطعام مجمع عليه ، وكذا يستحب حمد الله في آخره ، قال العلماء : يستحب أن يجهر بالتسمية لينبه غيره ، فإن تركها عامدا ، أو ناسيا ، أو جاهلا ، أو مكرها ، أو عاجزا لعارض ، ثم تمكن في أثناء أكله يستحب له أن يسمي ، وتحصل التسمية بقوله : باسم الله ، فإن اتبعها بالرحمن الرحيم كان حسنا . ويسمي كل واحد من الآكلين ، وقال الشافعي : فإن سمى واحد منهم حصلت التسمية ، قوله : " والأكل باليمين " بالجر عطف على التسمية ، أي : وفي بيان الأكل باليمين ، ويأتي عن قريب في حديث عمر بن أبي سلمة : يا غلام ، سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك .

وقال شيخنا زين الدين : الأمر بالأكل مما يليه ، والأكل باليمين حمله أكثر أصحابنا على الندب ، وبه صرح الغزالي والنووي ، وقد نص الشافعي في الأم على وجوبه ، وزعم القرطبي أن الأكل باليمين محمول على الندب ، ولأنه من باب تشريف اليمين ، ولأنها أقوى في الأعمال ج٢١ / ص٢٩وأسبق وأمكن ، ولأنها مشتقة من اليمن والبركة ، وفي حديث أبي داود : يجعل يمينه لطعامه وشرابه ، وشماله لما سوى ذلك ، فإن احتيج إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية . وذكر القرطبي أن الأكل مما يلي الآكل سنة متفق عليها ، وخلافها مكروه شديد الاستقباح إذا كان الطعام واحدا . 3 - حدثنا علي بن عبد الله ، أخبرنا سفيان ، قال الوليد بن كثير : أخبرني أنه سمع وهب بن كيسان ، أنه سمع عمر بن أبي سلمة يقول : كنت غلاما في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا غلام ، سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك .

فما زالت تلك طعمتي بعد . مطابقته للجزء الثاني للترجمة ، وهو قوله : " والأكل باليمين " وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة . قوله : " قال الوليد بن كثير " بالثاء المثلثة المخزومي القرشي من أهل المدينة " أخبرني أنه " أي أن الوليد سمع وهب بن كيسان مولى عبد الله بن الزبير بن العوام ، وهكذا وقع أخبرنا سفيان قال الوليد بن كثير : أخبرني أنه سمع وهب بن كيسان ، وآخر لفظه " أخبرني " ، وزاد لفظ " قال " ، وهذا التصرف من الراوي جائز ، وقد أخرجه الحميدي في مسنده وأبو نعيم في المستخرج من طريقه عن سفيان قال : حدثنا الوليد بن كثير إلى آخره ، وعمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ، وأمه برة بنت عبد المطلب بن هاشم ، وأم عمر المذكور هي أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ربيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وله أحاديث توجب له فضل الصحبة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وطال عمره .

قوله : " كنت غلاما " ، أي : دون البلوغ ، يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ غلام ، وقد ذكر ابن عبد البر أنه ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة ، وتبعه غير واحد قيل : فيه نظر ، بل الصواب أنه ولد قبل ذلك ، فقد

صح في حديث عبد الله بن الزبير أنه قال : كنت أنا وعمر بن أبي سلمة مع النسوة يوم الخندق ، وكان أكبر مني بسنتين
، ومولد ابن الزبير في السنة الأولى على الصحيح ، فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين ، انتهى . قلت : في نظر هذا القائل نظر ؛ لأن ابن عبد البر ذكر : قيل إن عمر كان يوم قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن تسع سنين ، فافهم . قوله : " في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم " ضبطه بعضهم بفتح الحاء وسكون الجيم ، أي : في تربيته وتحت نظره ، وأنه يربيه في حضنه تربية الولد ، واقتصر عليه ، وقال الكرماني : في حجره ، بفتح المهملة وكسرها ، وهو الصواب ، بل الأصوب بالكسر على ما نقول .

وقال عياض : الحجر يطلق على الحضن وعلى الثوب ، فيجوز فيه الفتح والكسر ، وإذا أريد به الحضانة فبالفتح لا غير ، وإن أريد به المنع من التصرف فبالفتح في المصدر وبالكسر في الاسم لا غير ، وفي المغرب : حجر الإنسان بالفتح والكسر حضنه ، وهو ما دون أبطه إلى الكشح ، ثم قالوا : فلان في حجر فلان ، أي : في كنفه ومنعته ، ومنه قوله تعالى : وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ . قوله : " وكانت يدي تطيش " بالطاء المهملة والشين المعجمة ، أي : تتحرك حوالي الصحفة ، ولا تقتصر على موضع واحد ، وقال الطيبي : والأصل أطيش بيدي ، فأسند الطيش إلى يده مبالغة ، والصحفة ما يشبع خمسة ، والقصعة ما يشبع عشرة . قوله : " فما زالت تلك طعمتي بعد " أشار بقوله : " تلك " إلى جميع ما ذكر من الابتداء بالتسمية والأكل باليمين والأكل مما يليه .

قوله : " طعمتي " بكسر الطاء ، وهذه الصيغة للنوع ، وأراد أن أكله كان بعد ذلك على هذا النوع المذكور الذي أشار إليه بقوله : " تلك " ، وقال الكرماني : ويروى بضم الطاء ، والطعمة بالضم بمعنى الأكلة ، يقال : طعم طعمة إذا أكل أكلة ، قوله : " بعد " مبني على الضم ، أي : بعد ذلك ، فلما حذف المضاف إليه بني على الضم . وقد ذكرنا عن قريب أن الأمر بالتسمية محمول على الندب عند الجمهور ، وأما الأكل باليمين فقد ذهب بعضهم إلى أنه واجب لظاهر الأمر ولورود الوعيد في الأكل بالشمال ، ففي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يأكل بشماله ، فقال : كل بيمينك ، قال : لا أستطيع . فما منعه إلا الكبر ، فقال : لا استطعت .

فما رفعها إلى فيه بعد .

وروى أحمد بسند حسن ، عن عائشة رفعته : " من أكل بشماله أكل معه الشيطان "
، وروى مسلم من حديث جابر ، عن رسول الله ج٢١ / ص٣٠صلى الله عليه وسلم قال : " لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال " ، وقال الطيبي : معنى قوله : " إن الشيطان يأكل بشماله " ، أي : يحمل أولياءه من الإنس على ذلك ليضار به عباد الله الصالحين ، وقال بعضهم : فيه عدول عن الظاهر ، والأولى حمل الخبر على ظاهره ، وأن الشيطان يأكل حقيقة ؛ لأن العقل لا يحيل ذلك ، وقد ثبت الخبر به ، فلا يحتاج إلى تأويله . قلت : للناس فيه ثلاثة أقوال : أحدها أن صنفا منهم يأكلون ويشربون ، والثاني أن صنفا منهم لا يأكلون ولا يشربون ، والثالث أن جميعهم يأكلون ولا يشربون ، وهذا قول ساقط .

وروى أبو عمر بإسناده عن وهب بن منبه بقوله : وسئل عن الجن ما هم وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون ؟ فقال : هم أجناس ، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون ، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتوالدون ويتناكحون ، منهم السعالي والغول والقطرب وغير ذلك . والذين يقولون هم يأكلون ويشربون ، اختلفوا على قولين : أحدهما أن أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ وبلع ، وهذا قول لم يرد عليه الدليل ، والآخر أن أكلهم وشربهم مضغ وبلع ، وهذا القول الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث