حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب المؤمن يأكل في معى واحد

( باب المؤمن يأكل في معى واحد ) أي هذا باب يذكر فيه المؤمن يأكل في معى واحد ، فلفظ " معى " مقصور بكسر الميم والتنوين ، ويجمع على أمعاء وهي المصارين ، وتثنيته معيان . قال أبو حاتم : إنه مذكر مقصور ، ولم أسمع أحدا أنث المعى ، وقد رواه من لا يوثق به ، والهاء في سبعة في ج٢١ / ص٤١الحديث تدل على التذكير في الواحد ، ولم أسمع معى واحدة ممن أثق به ، وحكى القاضي عياض عن أهل الطب والتشريح أنهم زعموا أن أمعاء الإنساء سبعة : المعدة ، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها : البواب ، والصائم ، والرقيق ، وهي كلها رقاق ، ثم ثلاثة غلاظ : الأعور ، والقولون ، والمستقيم وطرفه الدبر ، ولقد نظم شيخنا زين الدين - رحمه الله - الأمعاء السبعة ببيتين ، وهما :

سبعة أمعاء لكل آدمي معدة بوابها مع صائم
ثم الرقيق أعور قولون مع المستقيم مسلك للطاعم
وقيل : أسماء الأمعاء السبعة : الاثنا عشر ، والصائم ، والقولون ، واللفائفي بالفاءين ، وقيل بالقافين وبالنون ، والمستقيم ، والأعور . فالمؤمن يكفيه ملء أحدها ، والكافر لا يكفيه إلا ملء كلها .

20 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الصمد ، حدثنا شعبة ، عن واقد بن محمد ، عن نافع قال : كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه ، فأدخلت رجلا يأكل معه فأكل كثيرا ، فقال : يا نافع لا تدخل هذا علي ؛ سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : المؤمن يأكل في معى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الترجمة هي نصف الحديث ، وعبد الصمد هو عبد الوارث ، وواقد بالقاف والدال المهملة هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنه - ، والحديث أخرجه مسلم في الأطعمة ، عن أبي بكر بن خلاد . قوله : " لا تدخل " بضم التاء من الإدخال ، قوله : " علي " بتشديد الياء ، قوله : " المؤمن يأكل في معى واحد " ، وإنما عدي الأكل بكلمة "في" على معنى أوقع الأكل فيها وجعلها مكانا للمأكول ، قال تعالى : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ، أي : ملء بطونهم .

واختلف في المراد بهذا الحديث ، فقيل : هو مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا وللكافر وحرصه عليها ، وقيل : هو تخصيص للمؤمن على أن يتحامى ما يجره كثرة الأكل من القسوة والنوم ، ووصف الكافر بكثرة الأكل ليتجنب المؤمن ما هو صفة للكافر ، كما قال عز وجل : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ ، وهذا في الغالب والأكثر ، وإلا فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرا بحسب العادة أو لعارض ، ويكون في الكفار من يعتاد قلة الأكل ، إما لمراعاة الصحة كالأطباء ، أو للتقلل كالرهبان ، أو لضعف المعدة . وقيل : يمكن أن يراد به أن المؤمن يسمي الله عز وجل عند طعامه ، فلا يشركه الشيطان ، والكافر لا يسمي الله عند طعامه . وقيل : المراد بالمؤمن التام الإيمان ؛ لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصل إليه من الموت وما بعده ، فيمنعه ذلك من استيفاء شهوته ، وأما الكافر فمن شأنه الشره فيأكل بالنهم كما تأكل البهيمة ، ولا يأكل بالمصلحة لقيام البنية .

وقال الطحاوي : سمعت ابن أبي عمران يقول : قد كان قوم حملوا هذا الحديث على الرغبة في الدنيا ، كما يقول : فلان يأكل الدنيا أكلا ، أي : يرغب فيها ويحرص عليها ، فالمؤمن يأكل في معى واحد لزهادته في الدنيا ، والكافر في سبعة أمعاء ، أي لرغبته فيها ، ولم يحملوا ذلك على الطعام قالوا : وقد رأينا مؤمنا أكثر طعاما من كافر ، ولو تأول ذلك على الطعام استحال معنى الحديث ، وقيل : هو رجل خاص بعينه ، وكان كافرا ثم أسلم ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، واختلفوا في هذا الرجل : فقيل : ثمامة بن أثال ، وبه جزم المازري والنووي ، وقيل : جهجاه الغفاري ، وقيل : نضلة بن عمرو الغفاري ، وقيل : أبو بصرة الغفاري ، وقيل : ابنه بصرة بن أبي بصرة الغفاري ، وقيل : أبو غزوان غير مسمى . وروى الطبراني بإسناد صحيح من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو قال : جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سبع رجال ، فأخذ كل رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما اسمك ؟ قال : أبو غزوان ، قال : فحلب له النبي - صلى الله عليه وسلم - سبع شياه فشرب لبنها كله ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل لك يا أبا غزوان أن تسلم ؟ قال : نعم ، فأسلم ، فمسح النبي - صلى الله عليه وسلم - صدره ، فلما أصبح حلب له النبي - صلى الله عليه وسلم - شاة واحدة فلم يتم لبنها ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما لك يا أبا غزوان ؟ فقال : والذي بعثك بالحق لقد رويت . قال : إنك أمس كان لك سبعة أمعاء ، وليس لك اليوم إلا واحد .

قلت : أبو بصرة بالباء الموحدة وسكون الصاد المهملة ، واسمه حميل بضم الحاء المهملة وفتح ج٢١ / ص٤٢الميم ، قوله : " في سبعة أمعاء " اختلف في المراد بها ، فقيل : هو على ظاهره ، وقيل : للمبالغة وليست حقيقة العدد مرادة ، وإنما خرج مخرج الغالب ، وقيل : تخصيص السبعة للمبالغة في التكثير ، كما في قوله تعالى : وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ، قال النووي : الصفات السبعة في الكافر وهي : الحرص ، والشره ، وطول الأمل ، والطمع ، وسوء الطبع ، والحسد ، وحب السمن . وقال القرطبي : شهوات الطعام سبع : شهوة الطبع ، وشهوة النفس ، وشهوة العين ، وشهوة الفم ، وشهوة الأذن ، وشهوة الأنف ، وشهوة الجوع وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن ، وأما الكافر فيأكل بالجميع .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث