باب من قال : الأضحى يوم النحر أي هذا باب في بيان من قال : إن الأضحى يوم النحر يعني يوم واحد ، وهو يوم النحر ، وهو قول ابن سيرين ، وحكاه ابن حزم عن حميد بن عبد الرحمن أنه كان لا يرى النحر إلا يوم النحر ، وهو قول ابن أبي سليمان . وفي هذا الباب أقوال : أحدها : يوم النحر ويومان بعده ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، وأحمد ، وروي ذلك عن عمر ، وعلي ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وأنس رضي الله تعالى عنهم ، ذكره ابن القصار ، وذكره ابن وهب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . الثاني : أربعة أيام ، يوم النحر وثلاثة بعده ، وهو قول عطاء ، والحسن البصري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبي ثور ، وروي ذلك عن علي وابن عباس قالا : أيام النحر الأيام المعلومات ، يوم النحر وثلاثة أيام بعده . الثالث : يوم النحر وستة أيام بعده ، وهو قول قتادة . الرابع : عشرة أيام ، حكاه ابن التين . الخامس : إلى آخر يوم من ذي الحجة . يروى عن الحسن البصري ، وقال ابن التين : ويروى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أيضا ، ونقله ابن حزم عن سليمان بن يسار ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن قالا : الأضحى إلى هلال المحرم . السادس : يوم واحد في الأمصار ، وفي منى ثلاثة أيام ، وهو قول سعيد بن جبير ، وجابر بن زيد . السابع : يوم واحد فقط ، وعليه ترجم البخاري كما ذكرنا ، وأخذه من إضافة اليوم إلى النحر في حديث الباب ، وهو قوله عليه السلام : أليس يوم النحر ؟ قلنا : بلى . واللام فيه للجنس ، فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم ، وأجيب عن هذا بأن المراد النحر الكامل ، واللام تستعمل كثيرا للكمال كقوله : الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . وفيه تأمل . وقال القرطبي : التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول ضعيف مع قوله تعالى : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ وقال ابن بطال : وليس استدلال من استدل من قوله صلى الله عليه وسلم : ( أليس يوم النحر ) أنه لا يكون نحر ولا ذبح في غيره - بشيء ؛ لأن النحر في أيام منى قد فعله الخلف والسلف ، وجرى عليه العمل في جميع الأمصار ، فلا حجة مع من خالفه . واستدل من قال : الأضحى يوم النحر وثلاثة أيام - بما روي في صحيح ابن حبان من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل فجاج منى منحر ، وفي كل أيام التشريق ذبح . قلت : هذا رواه أحمد ، وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن أبي حسين ، عن جبير بن مطعم ، وقال البزار في مسنده : لم يلق ابن أبي حسين جبير بن مطعم ، فيكون منقطعا . فإن قلت : أخرجه أحمد أيضا ، والبيهقي ، عن سليمان بن موسى ، عن جبير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : قال البيهقي : سليمان بن موسى لم يدرك جبير بن مطعم ، فيكون منقطعا . فإن قلت : أخرج ابن عدي في الكامل ، عن معاوية بن يحيى الصدفي ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيام التشريق كلها ذبح . قلت : معاوية بن يحيى ضعفه النسائي ، وابن معين ، وعلي بن المديني ، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : قال أبي : هذا حديث موضوع بهذا الإسناد . فإن قلت : أخرج البيهقي من حديث طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر . قلت : أخرج الطحاوي بسند جيد ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : الأضحى يومان بعد يوم النحر . ولأصحابنا الحنفية ما رواه الكرخي في مختصره ، حدثنا أبو بكر محمد بن الجنيد قال : حدثنا أبو خيثمة قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر بن حبيش ، وعبادة بن عبد الله الأسدي ، عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول : أيام النحر ثلاثة أيام أولهن أفضلهن . وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا : النحر ثلاثة أيام أولها أفضلها . 6 - حدثني محمد بن سلام ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب ، عن محمد ، عن ابن أبي بكرة ، عن أبي بكرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ، أي شهر هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس ذا الحجة ؟ قلنا : بلى ، قال : أي بلد هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس البلدة ؟ قلنا : بلى ، قال : فأي يوم هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس يوم النحر ؟ قلنا : بلى ، قال : فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد : وأحسبه قال : وأعراضكم - عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه . وكان محمد إذا ذكره قال : صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ألا هل بلغت ألا هل بلغت . مطابقته للترجمة في قوله ( أليس يوم النحر ) وقد مر فيه في أول الباب . وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، وأيوب السختياني ، ومحمد هو ابن سيرين ، وابن أبي بكرة عبد الرحمن يروي عن أبيه أبي بكرة نفيع بن الحارث مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الثقفي البصري . والحديث مضى أولا في كتاب العلم في باب قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : رب مبلغ أوعى من سامع . وأخرج بعضه أيضا في العلم في باب ليبلغ الشاهد الغائب ، وأخرجه أيضا في كتاب الحج في باب الخطبة في أيام منى ، وأخرج بعضه أيضا في كتاب بدء الخلق في باب ما جاء في سبع أرضين ، وأخرجه أيضا في التفسير ، وفي الفتن ، ومضى الكلام في هذه المواضع . قوله ( الزمان ) قال الكرماني : يراد به هنا السنة ، والزمان يقع على جميع الدهر وبعضه . قوله ( كهيئته ) صفة لمصدر محذوف أي : استدار استدارة مثل حالته يوم خلق السماوات والأرض ، وقال ابن الأثير : يقال : دار يدور واستدار يستدير بمعنى ، إذا طاف حول الشيء وعاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه ، ومعنى الحديث أن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر ، وهو النسيء ليقاتلوا فيه ، ويفعلون ذلك سنة بعد سنة ، فينتقل المحرم من شهر إلى شهر حتى يجعلوه في جميع شهور السنة ، فلما كانت تلك السنة كان قد عاد إلى زمنه المخصوص به قبل النقل ، ودارت السنة كهيئة الأولى ، فوافق حجة الوداع أصله ، فوقع الحج في ذي الحجة ، وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية ، وعادت الأشهر إلى الوضع القديم . قوله ( أربعة حرم ) جمع حرام أي : يحرم القتال فيها ، ثلاث منها سرد ، وواحد فرد . قوله ( ثلاث ) القياس ثلاثة ، ولكن التمييز إذا كان محذوفا جاز فيه الأمران . قوله ( ورجب مضر ) إنما خصه بمضر لأنهم كانوا يعظمونه غاية التعظيم ، ولم يغيروه عن موضعه الذي بين جمادى الآخرة وشعبان ، وإنما وصفه به تأكيدا وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء ، ومضر بضم الميم قبيلة ، وهي مضر بن نزار بن معد بن عدنان . قوله ( أليس البلدة ) أي : المعهودة التي هي أشرف البلاد وأكثرها حرمة ، يعني مكة المشرفة ، وذكر ثابت في غريب الحديث البلدة بفتح اللام ، قال : ومنى أيضا يسمى البلدة . قلت : في القرآن بإسكان اللام إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ولا يعرف ما قال ثابت إلا أن يكون لغة للعرب أيضا بفتح اللام . قوله ( أليس يوم النحر ) أي : يوم ينحر فيه الأضاحي في سائر الأقطار والهدايا بمنى . قوله ( قال محمد ) هو ابن سيرين . قوله ( وأحسبه ) أي : وأحسب ابن أبي بكرة ، قال في حديثه : وأعراضكم ، جمع عرض بكسر العين وهو موضع المدح والذم من الإنسان كالغيبة ، وذلك كالقتل في الدماء ، والغصب في الأموال ، وشبهها في الحرمة باليوم والشهر والبلد ؛ لأنهم لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال ، وإنما قدم السؤال عنها تذكارا للحرمة . قوله ( ضلالا ) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام ، جمع ضال . قوله ( يضرب ) بالرفع والجزم . قوله ( ليبلغ ) من التبليغ . قوله ( من يبلغه ) على صيغة المعلوم ، ويروى على صيغة المجهول ، وهو مضارع من التبليغ . قوله ( فلعل ) جعل لعل بمعنى عسى في دخول أن في خبره . قوله ( أوعى ) أي أحفظ ، ويروى : أرعى من الرعاية ، قيل : هو الأشبه ؛ لأن المقصود الرعاية له والامتثال به . قوله ( وكان محمد ) هو ابن سيرين أيضا . قوله ( إذا ذكره ) في رواية الكشميهني : إذا ذكر بدون الضمير المنصوب . قوله ( ألا هل بلغت ) القائل هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو بقية الحديث ، ولكن الراوي فصل بين قوله ( بعض من يسمعه ) وبين قوله ( ألا هل بلغت ) بكلام ابن سيرين المذكور ، وبلغت مذكور مرتين .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/400882
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة