كتاب الأشربة
﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾. كتاب الأشربة أي هذا كتاب في بيان أحكام الأشربة ، ما يحرم من ذلك وما يباح ، وهي جمع شراب ، وهو اسم لما يشرب ، وليس بمصدر ؛ لأن المصدر هو الشرب بتثليث الشين ، يقال : شرب الماء وغيره شربا وشربا وشربا ، وقرئ : ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴾بالوجوه الثلاثة قال أبو عبيدة : الشرب بالفتح مصدر ، وبالخفض والضم اسمان من شرب . وقول الله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقول الله بالجر عطف على الأشربة المجرورة بالإضافة ، والآية بتمامها مذكورة في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر إلى قوله ( رجس ) الآية ، وأول الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية ، وذكر البخاري هذه الآية تمهيدا لما يذكره من الأحاديث التي وردت في الخمر ، وقد ذكرناها في سورة المائدة ، وسبب نزولها ما قال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت هذه الآية التي في البقرة يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت الآية التي في النساء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى فكان منادي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ينادي : أن لا يقرب الصلاة سكران ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت التي في المائدة ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فلما بلغ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال عمر : انتهينا انتهينا .
وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من طرق عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، وصحح هذا الحديث الترمذي ، وعلي بن المديني . قوله الْخَمْرِ اختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة المعاني ، فقيل : سميت خمرا لأنها تخمر العقل ، أي : تغطيه وتستره ، ومنه خمار المرأة لأنه يغطي رأسها ، وقيل : مشتقة من المخامرة وهي المخالطة ؛ لأنها تخالط العقل ، وقيل : سميت خمرا لأنها تركت حتى أدركت ، يقال خمر العجين ، أي بلغ إدراكه ، وقيل : سميت خمرا لتغطيتها الدماغ ، وقال أبو حنيفة : هي مؤنثة ، وقد ذكر ذلك الفراء ، وأنشد قول الأعشى : وكأن الخمر العتيق من الإسفنـ ـط ممزوجة ماء زلال وذكرها حيث قال : العتيق لإرادة الشراب ، ولها أسماء كثيرة ، وذكر صاحب التلويح ما يناهز تسعين اسما ، وذكر ابن المعتز مائة وعشرين اسما ، وذكر ابن دحية مائة وتسعين اسما . قوله وَالْمَيْسِرِ القمار ، وعن عطاء ، ومجاهد ، وطاوس : كل شيء من القمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز .
وقال راشد بن سعيد ، وحمزة بن حبيب : حتى الكعاب ، والجوز ، والبيض التي يلعب بها الصبيان . وقال الزمخشري : الميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما ، يقال : يسرته إذا قمرته ، واشتقاقه من اليسر ؛ لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير تعب ولا كد ، أو من اليسار لأنه يسلب يساره . قوله وَالأَنْصَابُ جمع نصب بضم الصاد وسكونها ، وهو حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنما ، فيعبدونه ، وقيل : كانوا ينصبونه ويذبحون عليه ، فيحمر بالدم .
قوله وَالأَزْلامُ جمع زلم ، وهو بفتح الزاي ، وهي عبارة عن قداح ثلاثة على أحدها : أمرني ربي ، وعلى الآخر : نهاني ربي ، والثالث عطل ليس عليه شيء ، فإذا خرج الآمر فعله ، وإذا خرج الناهي تركه ، وإن طلع الفارغ أعاد الاستقسام ، وقيل : نعتت الخمر بأنها رجس ، أي نجسة وقذرة ، ولا عين توصف بذلك إلا وهي محرمة ، يدل على ذلك الميتة والدم والرجس قد ورد في كتاب الله عز وجل ، والمراد به الكفر ، قال الله تعالى : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ يعني الكفر ، ولا يصح أن يكون الرجس المذكور في آية الخمر يراد به الكفر ؛ لأن الأعيان لا يصح أن تكون إيمانا ولا كفرا ، ولأن الخمر لو كانت كفرا لوجب أن يكون العصير إيمانا ؛ لأن الكفر والإيمان طريقهما الاعتقاد والقول ، وإنما أطلق عليها الرجس لكونها أقوى في التحريم وأوكد عند العلماء ، وقد مر في التفسير بأبسط من هذا .