حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الخمر من العنب

حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو شهاب عبد ربه بن نافع ، عن يونس ، عن ثابت البناني ، عن أنس قال : حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد - يعني بالمدينة - خمر الأعناب إلا قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي ، وهو شيخ مسلم أيضا ، وأبو شهاب هو كنية عبد ربه بإضافة العبد إلى الرب ، ابن نافع الحناط بالحاء المهملة ، والنون المشددة المدايني ، ويونس هو ابن عبيد البصري ، وثابت ضد الزائل ، ابن أسلم البصري أبو محمد ، ونسبته إلى بنانة بضم الباء الموحدة ، وتخفيف النونين ، وهي زوجة سعد بن لؤي بن غالب بن فهر ، فنسب بنوها إليها ، وقيل : كانت أمة لسعد حضنت بنيه ، وقيل : كانت حاضنة بنته ، والحديث من أفراده . قوله ( وما نجد بالمدينة ) أي : في المدينة .

قوله ( وعامة خمرنا البسر والتمر ) البسر هو المرتبة الرابعة لثمرة النخل أولها طلع ، ثم خلال ، ثم بلح ، ثم بسر ، ثم رطب ، والخلال بكسر الخاء المعجمة جمع خلالة بالفتح ، وقال ابن الأثير : هو البسر أول إدراكه ، وقال الكرماني : الخمر مائع ، والبسر جامد ، فكيف يكون هو إياه ؟! قلت : هو مجاز عن الشراب الذي يؤخذ منه ، عكس أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا أو ثمة إضمار ، أي : عامة أصل خمرنا . فإن قلت : تقدم أنه قال : ما بالمدينة فيها شيء ، فكيف قال : عامة خمرنا ؟ قلت : المراد بقوله ( فيها خمر ) العنب إذ هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق أو المطلق محمول عليها ، وفي التوضيح في هذا الحديث وفي الذي بعده رد على الكوفيين في قولهم : إن الخمر من العنب خاصة ، وإن كل شراب يتخذ من غيره فغير محرم ما دون المسكر منه . قلت : فيما ذكرنا في أول الباب يرد ما قاله ، فراجع إليه تعرف المردود ما هو ، وقال المهلب أيضا : ليس لأحد أن يقول : إن الخمر من العنب وحده ، فهؤلاء الصحابة فصحاء العرب والفهماء عن الله ورسوله قالوا : إن الخمر من خمسة أشياء ، وقد أخبر الفاروق بذلك حكاية عما نزل من القرآن ، وقال : الخمر ما خامر العقل ، وخطب بذلك على منبره صلى الله عليه وسلم بحضرة الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، ولم ينكره أحد ، فصار كالإجماع .

قلت : كل من لا يفهم دقة ما قاله الكوفيون - رد عليهم برد مردود ، وقول الكوفيين : الخمر من العنب وحده ، لا ينافي قول الصحابة : إن الخمر من خمسة أشياء ، ولا يضر فصاحتهم ؛ لأنهم استعملوا في كلامهم الحقيقة والمجاز ، وهو عين الفصاحة ، ولا يفرق بينهما من كلام الصحابة إلا من له ذوق من إدراك دقائق الكلام . وقوله : فصار كالإجماع - فيه نظر قوي ، وقال صاحب التوضيح : وروي عن ابن مسعود أنه قال في نقيع التمر : إنه خمر ، وقال الشعبي ، وابن أبي ليلى ، والنخعي ، والحسن البصري ، وعبد الله بن إدريس ، ومالك ، والأوزاعي ، والثوري ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وعامة أهل الحديث : المسكر خمر . قلت : إطلاقهم الخمر على هذه الأشياء ليس من طريق الحقيقة ، وإنما قالوا خمر لمخامرته العقل ، ونحن نقول به من هذه الحيثية ، وقد مر تحقيقه عن قريب ، وقال أيضا : قال أبو حنيفة : المحرم عصير العنب النيء ، فمن شرب منها ولو نقطة حد ، وما عداها لا يحد إلا بالسكر ، وموضع الرد عليه من الحديث أنهم كانوا يشربون بالمدينة الفضيخ ، وهو ما يتخذ من البسر والتمر ، فلما جاءهم منادي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن الخمر قد حرمت ، امتنعوا وكسروا الجرار ، ولم ينكروا ، ولا قالوا : كنا نشرب الفضيخ ، بل امتنعوا ، فلولا أنه عندهم خمر لما امتنعوا منه .

قلت : هو لم يحرر موضع الرد حتى رد على الإمام ، والفضيخ الذي كانوا يشربونه حينئذ كان مسكرا ، والمسكر يطلق عليه اسم الخمر باعتبار مخامرته العقل ؛ لأن حقيقة الخمر من العنب النيء المشتد حتى يتعلق به الحد في قليله ، وغير ماء العنب من الأشياء المذكورة لا يتعلق الحد إلا بالمسكر منها .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث