باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه
باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ، ويسميه بغير اسمه . أي هذا باب في بيان ما جاء في حق من يرى الخمر حلالا . قوله ( ويسميه ) أي : يسمي الخمر ، أي : وفي بيان من يسمي الخمر بغير اسمه ، وإنما ذكر ضمير الخمر بالتذكير مع أن الخمر مؤنث سماعي باعتبار الشراب ، قال الكرماني : ويروى يسميها بغير اسمها ، يعني بتأنيث الضمير على الأصل .
وقال هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، حدثنا عطية بن قيس الكلابي ، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال : حدثني أبو عامر ، أو أبو مالك الأشعري : والله ما كذبني ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر ، والحرير ، والخمر ، والمعازف ، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة ، فيقولون : ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة . مطابقة الجزء الأول للترجمة ظاهرة ، وليس فيه ما يطابق الجزء الثاني ، قيل : أشار بقوله ويسميه بغير اسمه إلى حديث روي في ذلك ، ولكنه لم يخرجه لكونه على غير شرطه ، وهو ما رواه أبو داود من طريق مالك بن أبي مريم ، عن أبي مالك الأشعري ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : ليشربن ناس الخمر يسمونها بغير اسمها ، وصححه ابن حبان ، وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي مالك الأشعري ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها . وصححه ابن حبان ، وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي مالك الأشعري ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات ، يخسف الله بهم الأرض ، ويجعل منهم القردة والخنازير .
قوله ( وقال هشام بن عمار ) بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي الدمشقي ، وهو أحد مشايخ البخاري ، وروى عنه في فضل أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وفي البيوع أسند عنه في هذين الموضعين ، وفي ثلاث مواضع يقول : قال هشام بن عمار في الأشربة هذا ، وفي المغازي : إن الناس كانوا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الحديبية تفرقوا في ظلال شجر . وفي قوله صلى الله عليه وسلم : لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل . ففي هذه المواضع الثلاثة لا يقول حدثنا ، ولا أخبرنا ، والظاهر أنه أخذ هذا الحديث عن هشام هذا مذاكرة .
والحديث صحيح ، وإن كانت صورته صورة التعليق ، وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم ، يكون صحيحا إلى من علقه عنه ، ولو لم يكن من شيوخه . فإن قلت : قال ابن حزم : هذا الحديث منقطع فيما بين البخاري وصدقة بن خالد ، والمنقطع لا تقوم به حجة . قلت : وهم ابن حزم في هذا ، فالبخاري إنما قال : قال هشام بن عمار ، حدثنا صدقة ، ولم يقل : قال صدقة بن خالد .
قال صاحب التوضيح : وليته أعله بصدقة ، فإن يحيى قال فيه : ليس بشيء . رواه ابن الجنيد عنه ، وروى المروزي ، عن أحمد : ليس بمستقيم ، ولم يرضه . قلت : هذا تمن غير مرجو فيه المراد ، فإن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال عن أبيه : فقيه ثقة ليس به بأس أثبت من الوليد بن مسلم صالح الحديث .
وقال دحيم ، والعجلي ، ومحمد بن سعد ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم : ثقة ، وروى عن يحيى أيضا ، وذهل صاحب التوضيح ، وظن أنه المنقول عن أحمد ويحيى فيه ، وليس كذلك ، وإنما قال ذلك في صدقة بن عبد السمين ، وهو أقدم من صدقة بن خالد ، وقد شاركه في كونه دمشقيا ، وفي رواية عن بعض شيوخه كزيد بن واقد ، وهو صدقة بن خالد القرشي الأموي أبو العباس الدمشقي مولى أم البنين أخت معاوية بن أبي سفيان . قاله البخاري ، وأبو حاتم ، وقيل : مولى أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه . قاله هشام بن عمار الراوي عنه ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث ، وآخر تقدم في مناقب أبي بكر ، وصدقة هذا يروي عن عبد الرحمن بن يزيد من الزيادة ابن جابر الأزدي ، مر في الصوم ، وهو يروي عن عطية بن قيس الكلابي الشامي التابعي ، يروي عن عبد الرحمن بن غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون ، ابن كريب بن هانئ مختلف في صحبته ، وقال ابن سعد : كان أبوه ممن قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في صحبة أبي موسى الأشعري ، وذكر ابن يونس أن عبد الرحمن كان مع أبيه حين وفد ، وقال أبو زرعة الدمشقي ، وغيره من حفاظ الشام : إنه أدرك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولم يلقه ، وقال أبو عمر : عبد الرحمن بن غنم الأشعري جاهلي كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يره ، ولم يفد عليه ، ولازم معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه منذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن إلى أن مات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، وسمع من عمر بن الخطاب ، وكان أفقه أهل الشام ، وهو الذي فقه عامة التابعين بالشام ، ومات بالشام سنة ثمان وسبعين .
قوله ( قال : حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري ) هكذا رواه أكثر الحفاظ ، عن هشام بن عمار بالشك ، وكذا وقع عند الإسماعيلي من رواية بشر بن بكر ، لكن وقع في رواية أبي داود من رواية بشر بن بكر : حدثني أبو مالك بغير شك ، والراجح أنه عن أبي مالك الأشعري ، وهو صحابي مشهور ، قيل : اسمه كعب ، وقيل : عمرو ، وقيل : عبد الله ، وقيل : عبيد ، يعد في الشاميين ، وأما أبو عامر الأشعري ، فقال المزي : اختلف في اسمه ، فقيل : عبد الله بن هانئ ، وقيل : عبد الله بن وهب ، وقيل : عبيد بن وهب سكن الشام ، وليس بعم أبي موسى الأشعري ، ذاك قتل أيام حنين في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، واسمه عبيد بن حضار ، وهذا بقي إلى زمن عبد الملك بن مروان . فإن قلت : قال المهلب : هذا حديث ضعيف ؛ لأن البخاري لم يسنده من أجل شك المحدث في الصاحب ، فقال : أبو عامر أو أبو مالك . قلت : هذا ليس بشيء إذ الترديد في الصحابي لا يضر إذ كلهم عدول .
قوله ( والله ما كذبني ) هذا تأكيد ومبالغة في صدق الصحابي ؛ لأن عدالة الصحابة معلومة ، وقال بعضهم : هذا يؤيد رواية الجماعة أنه عن واحد لا عن اثنين ، قيل : هذا كلام ساقط ؛ لأنه من قال : إن هذا الحديث من اثنين حتى يؤيد بهذا اللفظ أنه من واحد . قلت : لا بل هو كلام موجه ؛ لأن ابن حبان روى عن الحسين بن عبد الله ، عن هشام بهذا السند إلى عبد الرحمن بن غنم أنه سمع أبا عامر ، وأبا مالك الأشعريين يقولان . . فذكر الحديث .
كذا قال ، والمحفوظ رواية الجماعة بالشك . قوله ( من أمتي ) قال ابن التين : قوله ( من أمتي ) يحتمل أن يريد من تسمى بهم ، ويستحل ما لا يحل ، فهو كافر إن أظهر ذلك ، ومنافق إن أسره ، أو يكون مرتكب المحارم تهاونا واستخفافا ، فهو يقارب الكفر ، والذي يوضح في النظر أن هذا لا يكون إلا ممن يعتقد الكفر ، ويتسم بالإسلام ؛ لأن الله عز وجل لا يخسف من تعود عليه رحمته في المعاد ، وقيل : كونهم من الأمة يبعد معه أن يستحلوها بغير تأويل ولا تحريف ، فإن ذلك مجاهرة بالخروج عن الأمة ، إذ تحريم الخمر معلوم ضرورة . قوله ( يستحلون الحر ) بكسر الحاء المهملة ، وتخفيف الراء ، أي الفرج ، وأصله الحرح ، فحذفت إحدى الحائين منه ، كذا ضبطه ابن ناصر ، وكذا هو في معظم الروايات من صحيح البخاري ، وقال ابن التين : هو بالمعجمتين يعني الخز ، وقال ابن العربي : هو تصحيف ، وإنما رويناه بالمهملتين ، وهو الفرج ، والمعنى يستحلون الزنا ، وقال أبو الفتح القشيري : إن في كتاب أبي داود والبيهقي ما يقتضي أنه الخز بالزاي والخاء المعجمة ، وقال ابن بطال : وهو الفرج ، وليس كما أوله من صحفه ، فقال الخز من أجل مقارنته الحرير ، فاستعمل التصحيف بالمقارنة ، وحكى عياض فيه تشديد الراء ، وقال ابن قرقول : مخفف الراء فرج المرأة ، وهو الأصوب ، وقيل : أصله بالتاء بعد الراء فحذفت ، وقال الداودي : أحسب أن قوله ( من الخز ) ليس بمحفوظ ؛ لأن كثيرا من الصحابة لبسوه ، وقال المنذري : أورد أبو داود هذا الخبر في باب ما جاء في الخز كذا الرواية ، فدل أنه عنده كذلك ، وكذا وقع في البخاري ، وهي ثياب معروفة لبسها غير واحد من الصحابة والتابعين ، فيكون النهي عنه لأجل التشبه .
قلت : الصواب ما قاله ابن بطال ، وقد جاء في حديث يرويه أبو ثعلبة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : يستحل الخز والحرير . يراد به استحلال الحرام من الفرج . قوله ( والحرير ) قال ابن بطال : واستحلالهم الحرير أي : يستحلون النهي عنه ، والنهي عنه في كتاب الله تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ قوله ( والمعازف ) الملاهي جمع معزفة ، يقال : هي آلات الملاهي ، ونقل القرطبي ، عن الجوهري أن المعازف القيان ، والذي ذكره في الصحاح أنها آلات اللهو ، وقيل : أصوات الملاهي ، وفي حواشي الدمياطي : المعازف الدفوف وغيرها مما يضرب به ، ويطلق على الغناء عزف ، وعلى كل لعب عزف ، ووقع في رواية مالك بن أبي مريم : تغدو عليهم القيان ، وتروح عليهم المعازف .
قوله ( علم ) بفتحتين الجبل ، والجمع أعلام ، وقيل : العلم رأس الجبل . قوله ( يروح عليهم ) فاعل يروح محذوف ، أي : يروح عليهم الراعي بقرينة السارحة ؛ لأن السارحة هي الغنم التي تسرح لا بد لها من الراعي ، ويروى تروح عليهم سارحة بدون حرف الباء ، فعلى هذا سارحة مرفوع بأنه فاعل يروح ، أي : تروح سارحة كائنة لهم ، المعنى أن الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها ، وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها . قوله ( يأتيهم ) فاعله الفقير ، ولهذا قال : يعني الفقير ، وفي رواية : يأتيهم فقط ، فاعله محذوف ، وهو الفقير ، يدل عليه قوله ( لحاجة ) ، وقال الكرماني : وفي بعض المخرجات : يأتيهم رجل لحاجة ، تصريحا بلفظ رجل ، وفي رواية الإسماعيلي : فيأتيهم طالب حاجة .
قوله ( فيبيتهم الله ) أي : يهلكهم بالليل ، والبيات هجوم العدو ليلا . قوله ( ويضع العلم ) أي : يضع الجبل بأن يدكدكه عليهم ، ويوقعه على رؤوسهم ، ويروى : ويضع العلم عليهم ، بزيادة لفظ عليهم . قوله ( ويمسخ آخرين ) أي : يمسخ جماعة آخرين ممن لم يهلكهم البيات ، وقال ابن العربي : يحتمل الحقيقة كما وقع في الأمم الماضية ، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم ، وقال ابن بطال : المسخ في حكم الجواز في هذه الأمة إن لم يأت خبر يهلكهم يرفع جوازه ، وقد وردت أحاديث بينة الأسانيد أنه يكون في هذه الأمة خسف ومسح ، وقد جاء في الحديث : أن القرآن يرفع من الصدور ، وأن الخشوع والأمانة ينزعان منهم ، ولا مسخ أكثر من هذا ، وقد يكون الحديث على ظاهره ، فيمسح الله من أراد تعجيل عقوبته كما أهلك قوما بالخسف ، وقد رأينا ذلك عيانا ، فكذلك المسح يكون ، وزعم الخطابي : أن الخسف والمسح يكونان في هذه الأمة كسائر الأمم خلافا لمن زعم أن ذلك لا يكون ، وإنما مسخها بقلوبها ، وفي كتاب سعيد بن منصور : حدثنا أبو داود ، وسليمان بن سالم البصري ، حدثنا حسان بن سنان ، عن رجل ، عن أبي هريرة يرفعه : يمسخ قوم من أمتي آخر الزمان قردة وخنازير ، قالوا : يا رسول الله ، ويشهدون أنك رسول الله وأن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم ، ويصلون ويصومون ويحجون ، قالوا : فما بالهم يا رسول الله ؟ قال : اتخذوا المعازف والقينات والدفوف ، ويشربون هذه الأشربة ، فباتوا على لهوهم وشرابهم ، فأصبحوا قردة وخنازير .
ولما رواه الترمذي قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وفي النوادر للترمذي : حدثنا عمرو بن أبي عمر ، حدثنا هشام بن خالد الدمشقي ، عن إسماعيل بن عياش ، عن أبيه ، عن ابن سابط ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : تكون في أمتي فزعة ، فيصير الناس إلى علمائهم ، فإذا هم قردة وخنازير .