باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا وأن لا يجعل إدامين في إدام
حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر والبسر والرطب . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد البصري يروي عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري . والحديث أخرجه مسلم أيضا في الأشربة عن محمد بن حاتم وغيره ، وأخرجه النسائي فيه وفي الوليمة عن يعقوب بن إبراهيم .
قوله ( عن الزبيب . . إلى آخره ) ليس فيه بيان الخلط صريحا ، وقد بينه مسلم بلفظ : لا تجمعوا بين الرطب والبسر ، وبين الزبيب والتمر ، وحكمة النهي خوف إسراع الشدة إليه مع الخلط ، وقال الداودي : لأن أحدهما لا يصير نبيذا حلوا حتى يشتد الآخر ، فيسرع إلى الشدة فيصير خمرا ، وهم لا يظنون . واختلف هل ترك ذلك واجب أو مستحب ؟ فقال محمد : يعاقب عليه ، وقال القاضي عبد الوهاب : أساء في تخليطه ، فإن لم تحدث الشدة المطربة جاز شربه ، وعن بعض العلماء أنه كره أن يخلط للمريض شرابان مثل شراب ورد وغيره ، وأنكر ذلك غيره ، وسئل الشافعي عن رجل شرب خليطين مسكرا ، فقال : هذا بمنزلة رجل أكل لحم خنزير ميت ، فهو حرام من جهتين : الخنزير حرام ، والميتة حرام ، والسكر حرام .
قلت : في هذا الباب أقوال : أحدها : أنه يحرم ، وروي ذلك عن أبي موسى الأنصاري ، وأنس ، وجابر ، وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهم ، ومن التابعين عطاء ، وطاوس ، وبه قال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . والثاني : يحرم خليط كل نوعين مما ينتبذ في الانتباذ ، وبعد الانتباذ لا يخص شيء من شيء ، وهو قول بعض المالكية . والثالث : أن النهي محمول على التنزيه ، وأنه ليس بحرام ما لم يصر مسكرا ، وقال شيخنا زين الدين : حكاه النووي عن مذهبنا ، وأنه قول جمهور العلماء .
والرابع : روي عن الليث أنه قال : لا بأس أن يخلط نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ، ثم يشربان جميعا ، وإنما جاء النهي عن أن ينتبذا جميعا ؛ لأن أحدهما يشد صاحبه . والخامس : أنه لا كراهة في شيء من ذلك ، ولا بأس به ، وهو قول أبي حنيفة في رواية عن أبي يوسف . قال النووي : أنكر عليه الجمهور ، وقالوا : هذه منابذة لصاحب الشرع ، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه ، فإن لم يكن حراما كان مكروها .
قلت : هذه جرأة شنيعة على إمام أجل من ذلك ، وأبو حنيفة لم يكن قال ذلك برأيه ، وإنما مستنده في ذلك أحاديث ، منها ما رواه أبو داود ، عن عبد الله الحربي ، عن مسعر ، عن موسى بن عبد الله ، عن امرأة من بني أسد ، عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان ينبذ له زبيب فيلقى فيه تمر ، أو تمر فيلقى فيه زبيب . وروي أيضا عن زياد الحساني ، حدثنا أبو بحر ، حدثنا عتاب بن عبد العزيز ، حدثتني صفية بنت عطية قالت : دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة رضي الله عنها ، فسألنا عن التمر والزبيب ، فقالت : كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب ، فألقيه في الإناء فأمرسه ، ثم أسقيه النبي صلى الله عليه وسلم . وروى محمد بن الحسن في كتاب الآثار : أخبرنا أبو حنيفة ، عن أبي إسحاق ، وسليمان الشيباني ، عن ابن زياد أنه أفطر عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، فسقاه شرابا ، فكأنه أخذ منه ، فلما أصبح غدا إليه فقال له : ما هذا الشراب ! ما كدت أهتدي إلى منزلي ! فقال ابن عمر : ما زدناك على عجوة وزبيب .
فإن قلت : قال ابن حزم : في الحديث الأول لأبي داود امرأة لم تسم ، وفي الثاني أبو بحر لا يدرى من هو ، عن عتاب ، وهو مجهول ، عن صفية ، ولا يدرى من هي . قلت : هذه ثلاثة أحاديث يشد بعضها بعضا على أن ابن عدي قال : أبو بحر مشهور معروف ، وله أحاديث غرائب عن شعبة وغيره من البصريين ، وهو ممن يكتب حديثه . وفي كتاب الساجي قال يحيى بن سعيد : هو صدوق صاحب حديث ، وهو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة البكراوي ، وذكره ابن شاهين ، وابن حبان في كتاب الثقات ، وقال البخاري : لم يستبن لي طرحه ، وقال أبو عمر : وأحمد بن صالح العجلي هو ثقة بصري ، وفي كتاب الصريفيين : ذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وخرج حديثه في صحيحه ، كذلك الحاكم ، وعتاب بن عبد العزيز روى عنه يزيد بن هارون ، وأحمد بن سعيد الدارمي ، وآخرون ، وذكره ابن حبان في الثقات .