حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب السحر

حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من بني زريق يقال له : لبيد بن الأعصم ، حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله ، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي ، لكنه دعا ودعا ، ثم قال : يا عائشة ، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه ، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ، فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ فقال : مطبوب ، قال : من طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم ، قال : في أي شيء ؟ قال : في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر ، قال : وأين هو ؟ قال : في بئر ذروان ، فأتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناس من أصحابه ، فجاء ، فقال : يا عائشة ، كأن ماءها نقاعة الحناء ، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين ، قلت : يا رسول الله ، أفلا استخرجته ؟ قال : قد عافاني الله فكرهت أن أثور على الناس فيه شرا ، فأمر بها فدفنت . مطابقته للترجمة في قوله : سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل . وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وهشام هو ابن عروة ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها - .

والحديث مضى في صفة إبليس بعين هذا الإسناد . قوله : حدثنا إبراهيم بن موسى ، وفي رواية أبي ذر حدثني بالإفراد . قوله : عن أبيه ، وقع في رواية يحيى القطان ، عن هشام حدثني أبي ، وسيأتي في رواية ابن عيينة ، عن ابن جريج : حدثني آل عروة ، عن عروة ، وفي رواية الحميدي ، عن سفيان ، عن ابن جريج : حدثني بعض آل عروة ، عن عروة .

قوله : من بني زريق بضم الزاي وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالقاف ، وهم بطن من الأنصار مشهور ، من الخزرج ، وكان بين كثير من الأنصار وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حلف وود ، فلما جاء الإسلام ودخل الأنصار فيه تبرؤوا منهم ، والسنة التي وقع فيها السحر سنة سبع ، قاله الواقدي ، وعن الإسماعيلي : أقام فيه أربعين ليلة ، وعند أحمد : ستة أشهر ، وعن السهيلي أنه لبث سنة ، ذكره في جامع معمر ، عن الزهري . قوله : حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيل إليه على صيغة المجهول ، من التخييل ، وبعض المبتدعة أنكروا هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها ؛ لأن كل ما أدى إلى ذلك فهو باطل ، وتجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع ، ورد عليهم ذلك بقيام الدليل على صدقه فيما بلغه من الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ ، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض ، وقيل : لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك ، وقال عياض : السحر تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده ، والدليل عليه ما روي في مرسل سعيد بن المسيب : حتى كاد ينكر بصره . قوله : حتى إذا كان ذات يوم لفظ ذات مقحم للتأكيد ، وقال الزمخشري : هو من إضافة المسمى إلى اسمه ، وقال الكرماني : ذات يوم بالرفع ، ويروى بالنصب .

قوله : أو ذات ليلة شك من الراوي ، وقال بعضهم : الشك من البخاري ؛ لأنه أخرجه في صفة إبليس : حتى كان ذات يوم ، ولم يشك ، قلت : الشك من عيسى بن يونس ، فإن إسحاق بن راهويه أخرجه في مسنده عنه على الشك . قوله : لكنه دعا ودعا قال الكرماني : لكنه للاستدراك ، فما المستدرك منه ؟ فأجاب بقوله : إما هو عندي ، أي : كان عندي ، لكن لم يشتغل بي ، بل بالدعاء ، وإما كان يخيل إليه أنه يفعله ، أي : كان المتخيل في الفعل لا في القول والعلم ؛ إذ كان دعاؤه على الصحيح والقانون المستقيم ، ووقع في رواية ابن نمير عند مسلم : فدعا ثم دعا ثم دعا ، وهذا هو المعهود منه أنه كان يكرر الدعاء ثلاثا . قوله : أشعرت ، أي : أعلمت .

قوله : أفتاني فيما استفتيته ، أي : أجابني فيما دعوته ، وفي رواية الحميدي : أفتاني في أمر استفتيته فيه ، ووقع في رواية عمرة ، عن عائشة : إن الله أنبأني بمرضي . قوله : أتاني رجلان ، ووقع في رواية أحمد والطبراني ، كلاهما عن هشام : أتاني ملكان وسماهما ابن سعد في رواية منقطعة جبرائيل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام . قوله : فقعد أحدهما عند رأسي الظاهر أن الذي قعد عند رأسه جبريل عليه الصلاة والسلام لخصوصيته به - صلى الله عليه وسلم - .

قوله : فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ روى النسائي من حديث زيد بن أرقم : سحر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - رجل من اليهود ، فاشتكى لذلك أياما ، فأتاه جبريل عليه السلام ، فقال : إن رجلا من اليهود سحرك ، عقد لك عقدا في بئر كذا فدل هذا على أن المسئول هو جبريل والسائل ميكائيل عليهما السلام . قوله : ما وجع الرجل ؟ كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية ابن عيينة ما بال الرجل ، وفي حديث ابن عباس عند البيهقي : ما نرى فيه ؟ فإن قلت : هذا السؤال والجواب هل كانا والنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نائم أو في اليقظة ؟ قلت : قيل : كان ذلك في المنام ؛ إذ لو جاء إليه وهو يقظان كانا يخاطبانه وهو يسمع ، وأطلق في رواية عمرة ، عن عائشة أنه كان نائما ، ووقع عند ابن سعد من حديث ابن عباس بسند ضعيف جدا : فهبط عليه ملكان وهو بين النائم واليقظان ، وعلى كل حال رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي . قوله : مطبوب ، أي : مسحور ، يقال : طب الرجل بالضم إذا سحر ، فقال : كنوا عن السحر بالطب تفاؤلا كما قالوا للديغ سليم ، وقال ابن الأنباري : الطب من الأضداد ، يقال لعلاج الداء طب ، والسحر من الداء ، فيقال له طب .

قوله : في مشط ومشاطة المشط بضم الميم وسكون الشين وبضمها وبكسر الميم وإسكان الشين ، وأنكر أبو زيد كسر الميم ، وأثبته أبو عبيد ، وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الرأس واللحية ، والمشط العظم العريض في الكتف وسلاميات القدم ونبت صغير يقال له مشط الذئب ، وقال القرطبي : يحتمل أن يكون الذي سحر فيه النبي أحد هذه الأربعة ، قلت : المشهور هو الأول ، والمشاطة بضم الميم وتخفيف الشين المعجمة : ما يخرج من الشعر عند التسريح ، وفيه خلاف يأتي في آخر الباب . قوله : وجف طلع نخلة ذكر بإضافة جف إلى طلع وإضافة طلع إلى نخلة ، ويروى طلعة نخلة ، وقال الكرماني : التاء في طلعة ونخلة للفرق بين الجنس ومفرده كتمر وتمرة ، وقال عياض : وقع للجرجاني في البخاري وللعذري في مسلم جف بالفاء ولغيرهما بالباء الموحدة ، وفي رواية عيسى بن يونس هنا بالفاء ، وللكشميهني ولغيره بالباء الموحدة ، وفي روايته في بدء الخلق بالفاء للجميع ، وفي رواية أبي أسامة للمستملي بالباء الموحدة وللكشميهني بالفاء ، وفي رواية أبي ضمرة في الدعوات بالفاء للجميع ، وهو بضم الجيم وتشديد الفاء : وعاء طلع النخل ، وهو الغشاء الذي يكون عليه ، وذكر القرطبي الذي هو بالفاء وعاء الطلع مثل ما ذكرنا ، وبالباء الموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكُفُرَّى ، قاله شمر ، ويطلق الجف على الذكر والأنثى ، فلذلك وصفه بقوله : ذكر ، والطلع ما يطلع من النخل وهو الكمء قبل أن ينشق ، ويقال : ما يبدو من الكمء طلع أيضا ، وهو شيء أبيض يشبه بلونه الإنسان وبرائحته المني ، قاله في المغرب . قوله : ذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء ، وحكى ابن التين فتحها وأنه قرأه كذلك ، قال : ولكنه بالسكون أشبه ، وقال صاحب التوضيح : وفي بعض نسخه ذي أروان بفتح الهمزة وسكون الراء وبالواو والنون وهو بالمدينة في بني زريق ، ووقع في كتاب الدعوات منه ذروان في بني زريق ، وعند الأصيلي ، عن أبي زيد : ذي أوان بواو من غير راء ، قال ابن قرقول : هو وهم ، إنما ذو أوان موضع آخر على ساعة من المدينة وبه بني مسجد الضرار ، وفي كتاب البكري قال القتبي : هي بئر أروان بالهمزة مكان الذال ، وقال الأصمعي : وبعضهم يخطئ ويقول ذروان .

قوله : فأتاها ، أي : فأتى البئر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - . قوله : فجاء ، أي : لما أتاها النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وشاهدها ، ثم رجع فجاء إلى عائشة وأخبرها ، وفي رواية وهيب : فلما رجع قال : يا عائشة ، وفي رواية أبي أسامة : فذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى البئر فنظر إليها ، ثم رجع إلى عائشة . قوله : نقاعة الحناء بضم النون وتخفيف القاف ، أراد أن ماء هذا البئر لونه كلون الماء الذي ينقع فيه الحناء ، يعني أحمر ، والحناء بالمد معروف ، وقال القرطبي : كان ماء البئر تغير إما لرداءته وطول إقامته ، وإما لما خالطه من الأشياء التي ألقيت في البئر .

قوله : وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين ، وفي رواية بدء الخلق : كأنه رؤوس الشياطين بدون ذكر النخل ، شبهها برؤوس الشياطين في وحاشة منظرها وسماجة شكلها ، وهو مثل في استقباح الصورة ، قال الفراء : فيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أن يشبه طلعها في قبحه برؤوس الشياطين لأنها موصوفة بالقبح ، ( الثاني ) : أن العرب تسمي بعض الحيات شيطانا ( الثالث ) : نبت قبيح يسمى رؤوس الشياطين ، قيل : إنه يوجد باليمن ، فإن قلت : كيف شبهه بها ونحن لم نرها ؟ قلت : على قول من قال هي نبت أو حيات ظاهر ، وعلى القول الثالث أن المقصود ما وقع عليه التعارف من المعاني ، فإذا قيل : فلان شيطان ، فقد علم أن المعنى خبيث قبيح ، والعرب إذا قبحت مذكرا شبهته بالشيطان ، وإذا قبحت مؤنثا شبهته بالغول ولم ترها ، والشيطان نونه أصلية ، ويقال : زائدة . قوله : قلت : يا رسول الله القائلة هي عائشة ، ويروى : أفلا استخرجته . قوله : قد عافاني الله يحتمل معنيين أحدهما : لما عافاني الله من مرض السحر فلا حاجة إلى استخراجه ، والآخر : عافاني الله من الاشتغال باستخراج ذلك ؛ لأن فيه تهييج الشر ، وما أنا بفاعل لذلك .

قوله : أن أثور بفتح الثاء المثلثة وتشديد الواو ، ويروى : أن أثير من الإثارة ، وكلاهما بمعنى واحد . قوله : شرا منصوب ؛ لأنه مفعول أثور ، وفي رواية الكشميهني : سوء ، وهو تعليم المنافقين السحر من ذلك ، ويؤذون المسلمين به ، وهذا من باب ترك مفسدة لخوف مفسدة أعظم منها ، ووقع في رواية ابن عيينة أنه استخرجه ، وأن سؤال عائشة إنما وقع عن النشر فأجابها بلا ، وفي رواية عمرة عن عائشة : فنزل رجل فاستخرجه ، وفيه من الزيادة أنه وجد في الطلعة تمثالا من شمع تمثال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا فيه إبر مغروزة ، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة ، فنزل جبريل عليه السلام بالمعوذتين ، فكلما قرأ آية انحلت عقدة ، وكلما نزع إبرة وجد لها ألما ، ثم يجد بعدها راحة ، وقوله : على الناس فيه تعميم ، ووقع في رواية ابن نمير : على أمتي ، وهو أيضا قابل للتعميم ؛ لأن الأمة تطلق على أمة الإجابة وأمة الدعوة وعلى ما هو أعم ، وهو يرد على من زعم أن المراد بالناس هنا لبيد بن الأعصم ؛ لأنه كان منافقا ، فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن لا يثير عليه شرا ؛ لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يظهر الإسلام ولو صدر منه ما صدر ، ووقع في حديث عمرة ، عن عائشة ، فقيل : يا رسول الله ، لو قتلته ؟ قال : ما وراءه من عذاب الله أشد ، وفي رواية عمرة : فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعترف فعفا عنه ، وقد تقدم في كتاب الجزية ، قول ابن شهاب : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتله ، وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة أنه لم يقتله ، ونقل عن الواقدي أن ذلك أصح من رواية من قال إنه قتله . قوله : فأمر بها ، أي : بالبئر فدفنت .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث