باب جيب القميص من عند الصدر وغيره
حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن الحسن ، عن طاوس ، عن أبي هريرة قال : ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما ، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره ، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها ، قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بإصبعه هكذا في جيبه ، فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ويقول بإصبعه هكذا في جيبه ، وتمام الكلام مر آنفا . وعبد الله بن محمد هو المسندي ، وأبو عامر عبد الملك العقدي بفتح العين المهملة والقاف ، وإبراهيم بن نافع المخزومي ، والحسن هو ابن مسلم بن يناق المكي .
والحديث قد مر في الزكاة في باب مثل المتصدق والبخيل ، فإنه أخرجه هناك من طريقين ، وأخرجه أيضا في الجهاد عن موسى بن إسماعيل . مثل البخيل والمتصدق ، شبههما برجلين أراد كل منهما أن يلبس درعا ، فجعل مثل المنفق مثل من لبسها سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه وزيادة ، ومثل البخيل كرجل يده مغلولة إلى عنقه ملازمة لترقوته ، وصارت الدرع ثقلا ووبالا عليه لا يتسع ، بل تنزوي عليه من غير وقاية له . قوله : عليهما جبتان بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة تثنية جبة .
قوله : إلى ثديهما بضم الثاء المثلثة وكسر الدال المهملة جمع ثدي ، والثدي يذكر ويؤنث ، وهو للمرأة والرجل ، والجمع أثد وثدي على فعول ، وثدي أيضا بكسر الثاء لما بعدها من الكسر . قوله : وتراقيهما تثنية ترقوة بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الراء وضم القاف ، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق . قوله : حتى تغشى ، أي : حتى تغطي أنامله وهي رؤوس الأصابع ، واحدها أنملة ، وفيها تسع لغات بتثليث الهمزة مع تثليث الميم .
قوله : وتعفو أثره ، أي : تمحو آثار مشيه لسبوغها وطولها وإسبال ذيلها . قوله : قلصت بالقاف والصاد المهملة ، أي : تأخرت وانضمت وانزوت . قوله : كل حلقة بسكون اللام ، وكذا حلقة الباب والقوم ، وجمعها حلق على غير قياس ، يعني بفتح اللام ، وحكي عن أبي عمرو أن الواحد حلقة بالتحريك والجمع حلق بالفتح ، وقال الشيباني : ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا جمع حالق .
قوله : يقول بإصبعه هكذا في جيبه بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني وحده : جبته بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة بعدها تاء مثناة من فوق ، ثم ضمير ، والأول أولى لموافقته للترجمة ، وكذا في رواية مسلم وعليه اقتصر الحميدي ، وفيه دلالة على أن جيبه - صلى الله عليه وسلم - كان في صدره ؛ لأنه لو كان في يده لم تضطر يداه إلى ثدييه وتراقيه . قوله : فلو رأيته جوابه محذوف نحو لتعجبت منه ، أو هو للتمني فلا يحتاج إلى جواب . قوله : يوسعها ، أي : يوسع البخيل الجبة التي عليه ، يعني : كلما يعالج أن يوسعها فلا تتوسع ، بل تزداد ضيقا ولزاما .