حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ثياب الخضر

( باب ثياب الخضر )

ج٢٢ / ص٦42 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، أخبرنا أيوب ، عن عكرمة أن رفاعة طلق امرأته ، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي - قالت عائشة : وعليها خمار أخضر - فشكت إليها ، وأرتها خضرة بجلدها ، فلما جاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والنساء ينصر بعضهن بعضا ، قالت عائشة : ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات ، لجلدها أشد خضرة من ثوبها ، قال : وسمع أنها قد أتت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجاء ومعه ابنان له من غيرها ، قالت : والله ، ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه ، وأخذت هدبة من ثوبها ، فقال : كَذَبَتْ - واللهِ - يا رسول الله ، إني لأنفضها نفض الأديم ، ولكنها ناشز تريد رفاعة ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فإن كان ذلك لم تحلي له - أو لم تصلحي له - حتى يذوق من عسيلتك .

قال : وأبصر معه ابنين ، فقال : بنوك هؤلاء ؟ قال : نعم ، قال : هذا الذي تزعمين ما تزعمين ، فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب . مطابقته للترجمة في قوله : " وعليها خمار أخضر " . وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، وأيوب السختياني ، وعكرمة مولى ابن عباس ، والحديث من أفراده .

قوله : " إن رفاعة " بكسر الراء وتخفيف الفاء : ابن شموال القرظي من بني قريظة ، قال ابن عبد البر : ويقال : رفاعة بن رفاعة ، وهو أحد العشرة الذين نزلت فيهم : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ الآية ،

كما رواه الطبراني في معجمه وابن مردويه في تفسيره من حديث رفاعة بإسناد صحيح .
قلت : لم يقع في رواية البخاري ، ولا في بقية الكتب الستة تسمية امرأة رفاعة ، وقد سماها مالك في روايته تميمة بنت وهب ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : ولا أعلم لها غير قصتها مع رفاعة بن شموال حديث العسيلة من جهة مالك في الموطأ . وقال الطبراني : لها ذكر في قصة رفاعة ، ولا حديث لها ، وأما زوجها الثاني فهو عبد الرحمن بن الزبير - بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة - ابن باطا ، وقيل : باطيا ، وقتل الزبير في غزوة بني قريظة هذا هو الصواب ؛ فإن عبد الرحمن بن الزبير من بني قريظة ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : وأما ما ذكره ابن منده وأبو نعيم في كتابيهما معرفة الصحابة من أنه من الأنصار من الأوس ، ونسباه أنه عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن مالك بن الأوس - فغير جيد .

قوله : " فشكت إليها " أي إلى عائشة . وفيه التفات أو تجريد . قوله : " وأرتها " بفتح الهمزة من الإراءة ، أي أرت امرأة رفاعة عائشة رضي الله عنها خضرة بجلدها ، وتلك الخضرة إما كانت لهزالها ، وإما لضرب عبد الرحمن لها .

قوله : " والنساء ينصر بعضهن بعضا " هذه جملة معترضة بين قوله : " فلما جاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " وبين قوله : " قالت عائشة " وهي من كلام عكرمة . قوله : " لَجِلْدُهَا " اللام فيه للتأكيد ، وهي مفتوحة . قوله : " قال : وسمع أنها قد أتت " أي قال عكرمة وسمع أنها - أي أن امرأة رفاعة رضي الله تعالى عنه - قد أتت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

قوله : " ومعه ابنان " الواو فيه للحال . وفي رواية وهيب " بنون له " . قوله : " إلا أن ما معه " أي آلة الجماع " ليس بأغنى " أي ليس دافعا عني شهوتي ؛ تريد قصوره عن الجماع .

قوله : " من هذه " أشارت به إلى هدبة ، وفسرتها بقولها : " وأخذت هدبة من ثوبها " بضم الهاء وسكون الدال المهملة وتخفيف الباء الموحدة ، وهي طرف الثوب الذي لم ينسج ، شبهوها بهدب العين وهي شعر الجفن . قوله : " فقال : كذبت " أي فقال رفاعة : كذبت ، يعني امرأته . قوله : " إني لأنفضها " من النفض بالنون والفاء والضاد المعجمة ، وهو كناية عن كمال قوة المباشرة .

قوله : " نفض الأديم " أي كنفض الأديم . قوله : " ناشز " من النشوز ، وهو امتناع المرأة من زوجها ، إنما قال : ناشز ، ولم يقل : ناشزة ؛ لأنها من خصائص النساء ، كحائض وطامث ، فلا حاجة إلى التاء الفارقة . قوله : " لم تحلي " بكسر الحاء ، ويروى " لا تحلين " ووجه هذه الرواية أن لم بمعنى لا ، والمعنى أيضا عليه ؛ لأن " لا " للاستقبال ، وقال الأخفش : إن " لم " تجيء بمعنى " لا " ، وأنشد :

لولا فوارسُ من قيسٍ وأسرتهم يوم الصليفَاء لَمْ يُوفُون بالجازِ
ج٢٢ / ص٧قوله : " والأسرة " بضم الهمزة الرهط .

قوله : " أو لم تصلحي له " شك من الراوي ، أي لرفاعة . قوله : " حتى يذوق " فإن قلت : كيف يذوق والآلة كالهدبة ؟ قلت : قد قبل أنها كالهدبة في رقتها وصغرها ؛ بقرينة الابنين اللذين معه ، ولقوله : " أنفضها " ولإنكاره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليها . قوله : " عسيلتك " قد مر الكلام فيه في كتاب النكاح ، وهو مصغر عسلة ؛ لأن العسل فيه لغتان : التأنيث والتذكير .

وقيل : إنما أنثه ؛ لأنه أراد النطفة . وضعفه النووي ؛ قال : لأن الإنزال ليس بشرط ، وإنما هي كناية عن الجماع ، شبه لذته بلذة العسل وحلاوته . وقد ورد حديث مرفوع من حديث عائشة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " العسيلة الجماع " .

قوله : " فقال : بنوك " فيه إطلاق اللفظ الدال على الجمع على التثنية ، وقد ذكرنا آنفا أن في رواية وهيب " بنون له " . قوله : " هذا الذي تزعمين ما تزعمين " ويفسره رواية وهيب : هذا الذي تزعمين أنه كذا وكذا ، وهو كناية عما ادعت عليه من العنة . قوله : " فوالله لهم أشبه به " أي لِلِابنين أشبه به ، أي بعبد الرحمن " من الغراب بالغراب " وأثبت النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - فيه الحكم بالدليل ؛ حيث استدل بشبههما له على كذبها ودعواها .

وفيه أن للزوج ضرب زوجته عند نشوزها عليه وَإِنْ أثَّر ضربه في جلدها ، ولا حرج عليه في ذلك . وفيه أن للنساء أن يطالبن أزواجهن عند الإمام بقلة الوطء ، ولا عار عليهن في ذلك . وفيه أن للزوج إذا ادعي عليه بذلك أن يخبر بخلافه ، ويعرب عن نفسه ، ألا ترى إلى قوله : " يا رسول الله ، والله إني لأنفضها نفض الأديم " ؟ وهذه الكناية من الفصاحة العجيبة ، وهي أبلغ في المعنى من الحقيقة .

وفيه دليل على الحكم بالقافة ، والحنفية منعوه واستدلوا في ذلك بقوله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم ، وخبر الواحد لا يعارض نص القرآن .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث