باب ما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتجوز من اللباس والبسط
( باب ما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتجوز من اللباس والبسط ) أي هذا باب في بيان ما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتجوز ، من التجوز ، وهو التخفيف ، وحاصل معناه أنه كان يتوسع فلا يضيق بالاقتصار على صنف واحد من اللباس . وقيل : ما يطلب النفيس والعالي ، بل يستعمل ما تيسر ، ووقع في رواية الكشميهني " ما يتجزى " ضبطه بعضهم بجيم وزاي مفتوحة مشددة بعدها ألف ، وما أظنه صحيحا إلا بالحاء المهملة والراء . قوله : " والبسط " ضبطه بعضهم بالباء الموحدة المفتوحة ، ثم قال : وهو ما يبسط ويجلس عليه ، وقال الكرماني : البسط جمع البساط ، فحينئذ لا تكون الباء إلا مضمومة ، وما أظن الصحيح إلا هذا .
61 - حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبيد بن حنين ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فجعلت أهابه ، فنزل يوما منزلا ، فدخل الأراك ، فلما خرج سألته ، فقال : عائشة وحفصة ، ثم قال : كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا ، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله ، رأينا لهن بذلك علينا حقا من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا ، وكان بيني وبين امرأتي كلام ، فأغلظت لي ، فقلت لها : وإنك لهناك ؟ قالت : تقول هذا لي وابنتك تؤذي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فأتيت حفصة ، فقلت لها : إني أحذرك أن تعصي الله ورسوله ، وتقدمت إليها في أذاه ، فأتيت أم سلمة ، فقلت لها ، فقالت : أعجب منك ، يا عمر ، قد دخلت في أمورنا ، فلم يبق إلا أن تدخل بين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأزواجه ، فرددت ، وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشهدته ، أتيته بما يكون ، وإذا غبت عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشهد ، أتاني بما يكون من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وكان من حول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد استقام له ، فلم يبق إلا مالك غسان بالشأم ، كنا نخاف أن يأتينا ، فما شعرت إلا بالأنصاري ، وهو يقول : إنه قد حدث أمر . قلت له : وما هو ؟ أجاء الغساني ؟ قال : أعظم من ذاك ، طلق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه ، فجئت ، فإذا البكاء من حجرهن كلها ، وإذا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد صعد في مشربة له ، وعلى باب المشربة وصيف ، فأتيته ، فقلت : استأذن لي . فأذن لي ، فدخلت ، فإذا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على حصير قد أثر في جنبه ، وتحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف ، وإذا أهب معلقة وقرظ ، فذكرت الذي قلت لحفصة ج٢٢ / ص٢٠وأم سلمة ، والذي ردت علي أم سلمة ، فضحك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلبث تسعا وعشرين ليلة ، ثم نزل .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فإذا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على حصير " إلى قوله : " ليف " . والحديث مضى مطولا جدا في المظالم في باب الغرفة والعلية ، ومضى أيضا في التفسير في سورة التحريم ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى ، عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس إلى آخره ، ومضى في النكاح أيضا وسيجيء أيضا في خبر الواحد ، ومضى الكلام فيه في المظالم . قوله : " تظاهرتا " أي تعاضدتا وهما عائشة وحفصة .
قوله : " فدخل في الأراك " بفتح الهمزة وتخفيف الراء ، وهو الشجر المالح المرأى دخل بينهما لقضاء الحاجة . قوله : " فأغلظت لي " ويروى " علي " . قوله : " وإنك لهناك " أي إنك في هذا المقام ولك جرأة أن تغلظي علي .
قوله : " أن تعصي الله " ويروى " أن تغضبي " من الإغضاب . قوله : " وتقدمت إليها في أذاه " أي تقدمت إليها أولا قبل الدخول على غيرها في قصة أذى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشأنه ، أو تقدمت إليها في أذى شخصها وإيلام بدنها بالضرب ونحوه . قوله : " فأتيت أم سلمة " وهي زوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، واسمها هند ، وإنما أتاها عمر رضي الله تعالى عنه ؛ لأنها قريبته ، قيل : إنها خالته .
قوله : " أعجب " بلفظ المتكلم . قوله : " فرددت " من الترديد ويروى " فردت " من الرد ويروى " فبرزت " من البروز أي الخروج . قوله : " وكان من حول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " أي من الملوك والحكام .
وغسان بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة ، قال الدارقطني : اسم قبيلة . قوله : " فما شعرت إلا بالأنصاري وهو يقول " ويروى " فما شعرت بالأنصاري إلا وهو يقول " وكلاهما منقول عن الكشميهني ، وقال الكرماني : في جل النسخ أو في كلها " وهو يقول " بدون كلمة الاستثناء ، ووجهه أن إلا مقدرة ، والقرينة تدل عليه . أو كلمة ما زائدة أو مصدرية ، و " يقول " مبتدأ ، وخبره " بالأنصاري " أي شعوري ملتبس بالأنصاري قائلا قوله : أعظم .
انتهى . قلت : الأحسن أن يقال : ما مصدرية ، والتقدير شعوري بالأنصاري حال كونه قائلا : أعظم من ذلك ، وقول الكرماني : " ويقول " مبتدأ فيه نظر ؛ لأن الفعل لا يقع مبتدأ إلا بالتأويل . قوله : " إنه " أي الشأن .
قوله : " أجاء الغساني " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار . قوله : " أعظم من ذلك " أي من مجيء الغساني ، وهو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طلق نساءه . فإن قلت : كيف كان الطلاق أعظم من توجه العدو واحتمال تسلطه عليهم ؟ قلت : لأن فيه ملالة خاطر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وأما بالنسبة إلى عمر رضي الله تعالى عنه فظاهر ؛ لأن مفارقة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنته أعظم الأمور إليه ؛ ولعلمهم بأن الله تعالى يعصم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الناس ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا . فإن قلت : كيف قال : طلق ، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما طلق نساءه ؟ قلت : اعتزل عنهن ، فقال بالظن بأن الاعتزال تطليق . قوله : " من حجرهن " بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة ، ويروى " من حجره " أي من حجر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قوله : " في مشربة " بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها وبالباء الموحدة ، وهي الغرفة . قوله : " وصيف " أي خادم ، وهو غلام دون البلوغ . قوله : " مرفقة " بكسر الميم ، وهي الوسادة .
قوله : " أهب " بفتحتين جمع إهاب ، وهو الجلد ما لم يدبغ . قوله : " وقرظ " بفتح القاف والراء وبالمعجمة : ورق شجر يدبغ به .