حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قص الشارب

( باب قص الشارب ) أي هذا باب في بيان سنية قص الشارب ، بل وجوبه ، وهذا الباب وما بعده إلى آخر كتاب اللباس أحد وأربعون بابا ذكرها في كتاب اللباس . قيل : لا تعلق لها بكتاب اللباس ، وتعسف بعضهم بأن لها تعلقا باللباس من جهة الاشتراك في الزينة . قلت : يطلق اللباس ليس للزينة على ما لا يخفى ، ومع هذا فيه أبواب بمعزل عن الزينة ، وهي باب المتشبهين بالنساء ، والباب الذي بعده ، وباب خاتم الحديد ، وباب الجلوس على الحصير ، وباب ما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا ، وباب اشتمال الصماء ، وباب من لبس جبة ضيقة الكمين ، والباب الذي بعده .

ولكن ذكرنا لكل باب منها مناسبة لحديثه ، والأحسن الأوجه أن نذكر مناسبة لكل من باب قص الشارب ، والأبواب التي بعده إن ظفرنا بها ، ولو كانت بشيء يسير . والباب الذي لا يوجد له مناسبة ما نسكت عنه . أما مناسبة ذكر باب قص الشارب في كتاب اللباس فيمكن أن يقال : إن في قص الشارب زينة ، فناسب الأبواب التي فيها وجود الزينة .

وكان ابن عمر يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد ، ويأخذ هذين ، يعني بين الشارب واللحية . كذا وقع بلفظ : " ابن عمر " يعني عبد الله بن عمر ، هذا في رواية أبي ذر والنسفي ، وعليها العمدة ، ووقع في رواية الباقين " وكان عمر " يعني ابن الخطاب ، وخطؤا هذه الرواية . وهذا التعليق وصله الطحاوي من خمس طرق : الأول : عن أبي داود ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدثنا عاصم بن محمد ، عن أبيه ، عن ابن عمر أنه كان يحفي شاربه حتى يرى بياض الجلد .

وفي لفظ " يحفي شاربه كأنه ينتفه " وفي لفظ من حديث عقبة بن مسلم " قال : ما رأيت أحدا أشد إحفاء لشاربه من ابن عمر ؛ كان يحفيه حتى إن الجلد ليرى " . قوله : " يحفي " من الإحفاء بالحاء المهملة والفاء ، يقال : أحفى شعره إذا استأصله حتى يصير كالحلق ، ولكون إحفاء الشارب أفضل من قصه عبر الطحاوي بقوله باب حلق الشارب . قوله : " ويأخذ هذين " ويروى " ويأخذ من هذين " يعني بين الشارب واللحية ، وقوله : " بين " كذا هو لجميع الرواة إلا أن عياضا ذكر ج٢٢ / ص٤٤أن محمد بن أبي صفرة رواه بلفظ : " من " التي للتبعيض ، والأول هو العمدة ، وقال الكرماني : هذين ، يعني طرفي الشفتين اللذين هما بين الشارب واللحية وملتقاهما ، كما هو العادة عند قص الشارب في أن ينظَّف الزاويتان أيضا من الشعر ، ويحتمل أن يراد بهما طرفا العنفقة .

104 - حدثنا المكي بن إبراهيم ، عن حنظلة ، عن نافع قال أصحابنا : عن المكي ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : من الفطرة قص الشارب . مطابقته للترجمة ظاهرة . والمكي بن إبراهيم بن بشير الحنظلي البلخي ، قال البخاري : مات سنة أربع عشرة ومائتين ، وقال الكرماني : مكي منسوب إلى مكة .

وليس كذلك ، بل هو عَلَمٌ له ؛ فإنه ظن أنه نسبة . وحنظلة - بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وباللام - ابن أبي سفيان ، واسمه الأسود بن عبد الرحمن الجمحي القرشي المكي . ونافع مولى ابن عمر .

قوله : " قال أصحابنا : عن المكي ، عن ابن عمر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " كذا وقع عند جميع الرواة .

قال صاحب ( التوضيح ) : معنى قوله : " قال أصحابنا ، عن المكي ، عن حنظلة ، عن نافع " أنه رواه عنه ، عن ابن عمر موقوفا على نافع وأصحابه ، أي أصحاب البخاري وصلوه عنه ، عن ابن عمر مرفوعا . وقال الكرماني : قال البخاري : " روى أصحابنا منقطعا ، قالوا : حدثنا المكي ، عن ابن عمر " بطرح الراوي الذي بينهما
.

انتهى . قلت : الذي يقتضيه ظاهر كلام البخاري هو ما قاله الكرماني ، وقريب منه ما قاله صاحب ( التوضيح ) ، والعجب من بعضهم أنه نقل كلام البخاري ، وقال : وهو ظاهر ما أورده البخاري ، ثم نقل عن بعض من عاصره أنه قال : يحتمل أنه رواه مرة عن شيخه مكي ، عن نافع مرسلا ، ومرة عن أصحابه ، عن مكي موصولا ، عن ابن عمر ، ويحتمل أن بعضهم نسب الراوي عن ابن عمر إلى أنه المكي ، ثم قال : هذا الثاني هو الذي جزم به الكرماني ، وهو مردود . قلت : الذي قاله هو المردود عليه ؛ لأنه نسب الرجل إلى غير ما قاله ، يظهر ذلك لمن يتأمله .

قوله : " من الفطرة " أي من السنة قص الشارب ، والقص من قصصت الشعر قطعته ، ومنه طير مقصوص الجناح . وفي هذا الباب خلاف . فقال الطحاوي : ذهب قوم من أهل المدينة إلى أن قص الشارب هو المختار على الإحفاء .

قلت : أراد بالقوم هؤلاء سالما وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وجعفر بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ؛ فإنهم قالوا : المستحب هو أن يختار قص الشارب على إحفائه ، وإليه ذهب حميد بن هلال والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح ، وهو مذهب مالك أيضا . وقال عياض : ذهب كثير من السلف إلى منع الحلق والاستئصال في الشارب ، وهو مذهب مالك أيضا ، وكان يرى حلقه مثلة ويأمر بأدب فاعله ، وكان يكره أن يأخذ من أعلاه ، والمستحب أن يأخذ منه حتى يبدو الإطار ، وهو طرف الشفة . وقال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : بل يستحب إحفاء الشوارب ، ونراه أفضل من قصها .

قلت : أراد بقوله الآخرون جمهور السلف منهم أهل الكوفة ومكحول ومحمد بن عجلان ونافع مولى ابن عمر وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله ؛ فإنهم قالوا : المستحب إحفاء الشارب ، وهو أفضل من قصها . وروي ذلك عن فعل ابن عمر وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وأبي أسيد وعبد الله بن عمر . وذكر ذلك كله ابن أبي شيبة بإسناده إليهم .

فإن قلت : جاء في الحديث أنه قال في الخوارج سيماهم التسبيد ، وهو حلق الشارب من أصله . قلت : قال ابن الأثير : معناه الحلق واستئصال الشعر ، ولم يقيد بالشارب ، وهو أعم منه ومن غيره ، وقال أيضا : قيل : التسبيد هو ترك التدهن وغسل الرأس . قلت : يدل على صحته حديث آخر ، وهو قوله : سيماهم التحليق والتسبيد ، بعطف التسبيد على التحليق ، وهو غيره ، ومادة التسبيد السين والدال المهملتان بينهما الباء الموحدة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث