باب الوصل في الشعر
( باب الوصل في الشعر ) 143 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج ، وهو على المنبر ، وهو يقول وتناول قصة من شعر كانت بيد حرسي : أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عن مثل هذه ، ويقول : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " حين اتخذ هذه نساؤهم " أراد به وصل الشعر .
وإسماعيل بن أبي أويس . والحديث مضى في آخر ذكر بني إسرائيل ؛ فإنه أخرجه هناك ، حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا عمرو بن مرة ، سمعت سعيد بن المسيب قال : قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها ، فخطب ، فأخرج كبة من شعر ، فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا غير اليهود ، وإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سماه الزور ، يعني الوصال بالشعر . وأخرجه بقية الجماعة غير ابن ماجه ، وقد ذكر في كل واحد منهما ما لم يذكره في الآخر ، فالحديث واحد ، والمخرج مختلف .
قوله : " قصة من شعر " بضم القاف وتشديد الصاد المهملة ، وهي الكبة من الشعر كما ذكر فيه . قوله : " حرسي " بفتح الحاء المهملة والراء ، وبالسين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، قال الكرماني : أي الجندي ، وقال الجوهري : الحرس هم الذين يحرسون السلطان ، والواحد حرسي ؛ لأنه قد صار اسم جنس فنسب إليه . قوله : " أين علماؤكم " السؤال للإنكار عليهم بإهمالهم إنكار مثل هذا المنكر وغفلتهم عن تغييره .
وقال بعضهم : فيه إشارة إلى قلة العلماء يومئذ بالمدينة . قلت : فيه بعد يستبعده من له اطلاع في التاريخ ، وكانت المدينة دار العلم ومعدن الشريعة ، وإليها يهرع الناس في أمر دينهم . فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك كيف لم يغير أهلها هذا المنكر ؟ قلت : لا يخلو زمان من ارتكاب المعاصي ، وقد كان في وقت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من شرب الخمر وسرق وزنى ، إلا أنه كان شاذا نادرا ، فلا يحل لمسلم أن يقول : إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يغير المنكر ، فكذلك أمر القصة بالمدينة كان شاذا ، ولا يجوز أن يقال : إن أهلها جهلوا النهي عنها ؛ لأن حديث لعن الواصلة ج٢٢ / ص٦٤حديث مدني معروف عندهم مستفيض .
قوله : " عن مثل هذه وأشار به إلى قصة الشعر التي تناولها من يد حرسي " وبمثلها كانت النساء يوصلن شعورهن . قوله : " إنما هلكت بنو إسرائيل " إلى آخره إشارة إلى أن الوصل كان محرما على بني إسرائيل ، فعوقبوا باستعماله ، وهلكوا بسببه . قوله : " حين اتخذ هذه " إشارة أيضا إلى القصة المذكورة ، وأراد به الوصل ، وقال بعضهم : هذا الحديث حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشيء آخر ، سواء كان شعرا أو لا ، ويؤيده حديث جابر رضي الله تعالى عنه : " زجر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تصل المرأة بشعرها شيئا " أخرجه مسلم .
قلت : هذا الذي قاله غير مستقيم ؛ لأن الحديث الذي أشار به إليه الذي هو حديث معاوية لا يدل على المنع مطلقا ؛ لأنه مقيد بوصل الشعر بالشعر ، فكيف يجعله حجة للجمهور ؟ نعم ، حجة الجمهور حديث جابر المذكور ، فانظر إلى هذا التصرف العجيب الذي جعل الحديث المقيد لمن يدعي الإطلاق في المنع ، ثم يقول : ويؤيده حديث جابر ، فكيف يؤيد المطلق المقيد ؟ ونقل أبو عبيد عن كثير من الفقهاء أن المنع في ذلك وصل الشعر بالشعر . وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة وغيرها ، فلا يدخل في النهي ، وبه قال الليث . وقال الطبري : اختلف العلماء في معنى نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الوصل في الشعر .
فقال بعضهم : لا بأس عليها في وصلها شعرها بما وصلت به من صوف وخرقة وغير ذلك . روي ذلك عن ابن عباس وأم سلمة أم المؤمنين وعائشة رضي الله تعالى عنهم . وسأل ابن أشوع عائشة : ألعن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الواصلة ؟ قالت : أيا سبحان الله ، وما بأس بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئا من صوف فتصل به شعرها ، فتتزين به عند زوجها ؟ إنما لعن المرأة الشابة تبغي في شبيبتها .. .
قالوا : هذا الحديث باطل . ورواته لا يُعْرَفُون ، وابن أشوع لم يدرك عائشة ، والزعراء - بفتح الزاي وسكون العين المهملة وتخفيف الراء ممدودا - وهي التي لا شعر لها . وقال قوم : لا يجوز الوصل مطلقا ، ولكن لا بأس أن تضع المرأة الشعر وغيره على رأسها وضعا ، ما لم تصله ، روي ذلك عن إبراهيم .