باب عقوق الوالدين من الكبائر
حدثني إسحاق ، حدثنا خالد الواسطي ، عن الجريري ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ، قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئا فجلس فقال : ألا وقول الزور وشهادة الزور ، ألا وقول الزور وشهادة الزور ، فما زال يقولها حتى قلت : لا يسكت . مطابقته للترجمة في قوله : وعقوق الوالدين . وإسحاق هو ابن شاهين الواسطي ، وخالد هو ابن عبد الله الطحاوي الواسطي ، والجريري بضم الجيم وفتح الراء الأولى نسبة إلى جرير بن عباد أخي الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وائل هو سعيد بن إياس البصري ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة يروي عن أبيه أبي بكرة نفيع مصغر نفع الثقفي .
والحديث مضى في الشهادات في باب ما قيل في شهادة الزور ، فإنه أخرجه هناك من طريقين ، ومضى الكلام فيه . قوله : ألا أنبئكم وفي رواية الاستئذان ألا أخبركم ، وكلاهما بمعنى واحد ، وفي رواية الترمذي ألا أحدثكم ، وفيه دليل على أنه ينبغي للعالم أن يعرض على أصحابه ما يريد أن يخبرهم به إما لأجل الحض على التفريغ والاستماع له ، وإما لسبب يقتضي التحذير مما يحذرهم ، وإما للحض على الإتيان بما فيه صلاحهم ، قوله : بأكبر الكبائر أي بأعظم الذنوب الكبائر ، وفي بعض النسخ قال : الكبائر ثلاثا ، أي قالها ثلاث مرات على عادته في التكرير تأكيدا لتنبيه السامع على إحضار قلبه وفهمه للذي يقوله ، ولا يظن أن المراد به عدد الكبائر وهو بعيد ، قوله : قال الإشراك بالله أي أحد الكبائر الإشراك بالله ، وهذا ليس على ظاهره من الحصر لأنه قد وردت أحاديث كثيرة تخبر بأكبر الكبائر على ما ذكرناه عن قريب فحينئذ تقدر فيه كلمة من عوض الباء أي من أكبر الكبائر ، وهكذا جاءت في أحاديث قد ذكرناها ، وقال ابن دقيق العيد : يحتمل أن يراد بقوله الإشراك بالله مطلق الكفر ، ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود ، قوله : وعقوق الوالدين قد مر تفسيره عن قريب ، قال الكرماني : العقوق كبيرة لأنها ما توعد عليها الشارع بخصوصها ، فما وجه كونه أكبرها ، وأجاب بقوله : لأن الوالد بحسب الظاهر كالموجد له صورة ، ولهذا قرن الله عز وجل الإحسان إليه بتوحيده فقال : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا قوله : وكان متكئا أي قال صلى الله عليه وسلم ما قاله من صدر الحديث حال كونه متكئا ، فجلس فقال : ألا وقول الزور ، وكلمة ألا كلمة تنبيه وتحضيض لضبط ما يقال وفهمه على وجهه ، والزور في الأصل الانحراف ، وفي الاستعمال هو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق ، وإنما كرره بهذا الوجه ؛ لأن الدواعي إليه كثيرة وأسهل وقوعا على الناس ، والشرك ينبو عنه المسلم ، وعقوق الوالدين ينبو عنه الطبع ، قوله : وشهادة الزور عطف على قوله : وقول الزور عطف تفسير ؛ لأن قول الزور أعم من أن يكون كفرا ومن أن يكون شهادة أو كذبا آخر من الكذبات ، وقيل المراد بقول الزور هنا الكفر ؛ فإن الكافر شاهد بالزور وقائل به ، قلت : هذا فهم من قوله : الإشراك بالله قوله : حتى قلت لا يسكت القائل هو أبو بكرة ، وفي رواية الترمذي : فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها حتى قلنا ليته سكت إشفاقا عليه .