باب جعل الله الرحمة مائة جزء
حدثنا الحكم بن نافع البهراني ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرنا سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : جعل الله الرحمة مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق ، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحكم بفتحتين ابن نافع هو أبو اليمان ، وقد ذكره البخاري في مواضع كثيرة بكنيته ، وهاهنا ذكره باسمه ولم يذكر باسمه إلى هاهنا إلا في هذا الموضع ، وذلك على قدر سماعه ، وهذا السند بهؤلاء الرجال تكرر جدا .
والحديث أخرجه مسلم من طريق عطاء ، عن أبي هريرة إن لله مائة رحمة وله من حديث سلمان إن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض ، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض وقال القرطبي : يجوز أن يكون معنى خلق اخترع وأوجد ، ويجوز أن يكون بمعنى قدر قد ورد خلق بمعنى قدر في لغة العرب فيكون المعنى أن الله أظهر تقديره لذلك يوم أظهر تقدير السماوات والأرض . قوله : مائة جزء ويروى في مائة جزء وكلمة في في هذه الرواية زائدة كما في قوله : وفي الرحمن للضعفاء كاف أي الرحمن لهم كاف ، قوله : فأمسك عنده وفي رواية عطاء وأخر عنده تسعة وتسعين رحمة قيل رحمة الله غير متناهية لا مائة ولا مائتان ، وأجيب بأن الرحمة عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير ، والقدرة صفة واحدة والتعلق غير متناه ، فحصره في مائة على سبيل التمثيل تسهيلا للفهم وتقليلا لما عندنا وتكثيرا لما عنده ، قوله : وأنزل في الأرض كان القياس أن يقال إلى الأرض ولكن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض ، وفيه تضمين ، والغرض منه المبالغة ، يعني أنزلها منتشرة في جميع الأرض ، فإن قلت : ما الحكمة في تعيين المائة من بين الأعداد ولم تجر عادة العرب إلا في السبعين ، قلت : أجيب بأنه أطلق هذا العدد الخاص لإرادة التكثير والمبالغة ، والسبعون من أجزاء المائة ، وقيل ثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسعة وستين جزءا ، فإذا قوبل كل جزء برحمة زادت الرحمات ثلاثين جزءا ، فيؤخذ منه أن الرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها ، ويؤيده قوله : غلبت رحمتي غضبي . قوله : يتراحم الخلق بالراء من التفاعل الذي يشترك فيه الجماعة ، قوله : حتى ترفع الفرس حافرها الحافر للفرس كالظلف للشاة ، وخص الفرس بالذكر لأنها أشد الحيوان المألوف الذي يعاين المخاطبون حركتها مع ولدها ، ولما في الفرس من الخفة والسرعة في التنقل ، ومع ذلك تتجنب أن يصل الضرر منها إلى ولدها ، وفي رواية عطاء فيها يتعاطفون وبها يتراحمون ، وبهذا يعطف الوحش والطير بعضها على بعض قوله : أن تصيبه كلمة أن مصدرية أي خشية الإصابة .