حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله

وقال المكي : حدثنا عبد الله بن سعيد ، ح حدثني محمد بن زياد ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن سعيد قال : حدثني سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة مخصفة أو حصيرا ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها ، فتتبع إليه رجال ، وجاؤوا يصلون بصلاته ، ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج إليهم ، فرفعوا أصواتهم ، وحصبوا الباب ، فخرج إليهم مغضبا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم ، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة . مطابقته للترجمة في قوله : فخرج إليهم مغضبا والغضب في أمر الله واجب ؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقام الإجماع على أن ذلك فرض على الأئمة أن يقوموا به ، ويأخذوا على أيدي الظالمين ، وينصفوا المظلومين ويحفظوا أمور الشريعة حتى لا تتغير ، ولا تنتهك ، والمكي هو ابن إبراهيم قال الكرماني : المكي منسوب إلى مكة المشرفة ، قلت : هذا اسمه وليس بنسبة ، وقد أخرج هذا الحديث من طريقين : أولهما معلق عن مكي بن إبراهيم عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري ، وقد وصله أحمد والدارمي في مسنديهما عن المكي بن إبراهيم بتمامه ، والآخر : مسند أخرجه عن محمد بن زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ابن عبيد الله بن الربيع بن زياد الزيادي البصري . وقال ابن عساكر : روى عنه البخاري كالمقرون بغيره ، وروى عنه ابن ماجه ، مات سنة اثنين وخمسين ومائتين ، كذا بخط الدمياطي ، وفي التهذيب في حدود سنة خمسين ومائتين ، وما له في البخاري سوى هذا الحديث ، ومحمد بن جعفر هو غندر ، وعبد الله ابن سعيد قال : حدثني سالم أبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ، وبسر بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبالراء المديني ، يروي عن زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري .

والحديث مضى في الصلاة عن عبد الأعلى بن حماد ، ومضى الكلام فيه هناك ، قوله : وحدثني محمد بن زياد فيه التحديث بصيغة الإفراد ، وما قبله حرف ( ح ) إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر ، وقال الكرماني : أو إشارة إلى الحديث أو إلى صح أو إلى الحائل ، قوله : احتجر بالحاء المهملة وبالجيم والراء ، أي اتخذ لنفسه حجرة ، وقال ابن الأثير : يقال حجرت الأرض واحتجرتها إذا ضربت عليها منارا تمنعها به عن غيرك ، قوله : حجيرة تصغير حجرة وهو الموضع المنفرد ، ويروى حجيرة بفتح الحاء وكسر الجيم ، قوله : مخصفة بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة المفتوحة وبالفاء ، وهي المعمولة بالخصفة ، وهي ما يجعل به جلال التمر من السعف ونحوه ، ويروى بخصفة بحرف الجر الداخل على الخصفة . وقال النووي : الخصفة والحصير بمعنى واحد ، والمعنى احتجر حجرة ، أي حوط موضعا من المسجد بحصير يستره ليصلي فيه ولا يمر عليه أحد ، ويتوفر عليه فراغ القلب ، وقال ابن بطال : حجيرة مخصفة يعني ثوبا أو حصيرا اقتطع به مكانا من المسجد ، واستتر به ، وأراه يقال : خصفت على نفسي ثوبا ، أي جمعت بين طرفيه بعود أو خيط ، قوله : أو حصيرا شك من الراوي ، قوله : فتتبع إليه أي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من التتبع وهو الطلب ، ومعناه طلبوا موضعه واجتمعوا إليه ، قوله : ثم جاؤوا ليلة ، أي ليلة ليصلوا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يخرج إليهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب ، أي رموه بالحصباء ، وهي الحصى الصغيرة ، قوله : فخرج أي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليهم حال كونه مغضبا ، وسبب غضبه أنهم اجتمعوا بغير أمره ، ولم يكتفوا بالإشارة منه لكونه لم يخرج إليهم ، وبالغوا حتى حصبوا بابه ، وقيل : كان غضبه لكونه تأخر إشفاقا عليهم ؛ لئلا يفرض عليهم ، وهم يظنون غير ذلك . وقال الكرماني : إنما غضب عليهم ؛ لأنهم صلوا في مسجده الخاص بغير إذنه ، وقال بعضهم : وأبعد من قال : صلوا في مسجده بغير إذنه ، قلت : غمز به على الكرماني ، ولا بعد فيه أصلا ، بل الأقرب هذا على ما لا يخفى ، قوله : ما زال بكم أي ملتبسا بكم صنيعكم ، أي مصنوعكم ، والمراد به صلاتهم ، قوله : حتى ظننت ، أي حتى خفت من الظن بمعنى الخوف هنا ، قوله : سيكتب عليكم أي سيفرض عليكم فلا تقوموا بحقه فتعاقبوا عليه ، قوله : إلا المكتوبة ، أي الفريضة ، وفيه أن أفضل النافلة ما كان منها في البيوت ، وعند الستر عن أعين الناس إلا ما كان من شعار الشريعة كالعيد ، وحكى ابن التين عن قوم أنه يستحب أن يجعل في بيته من فريضة ، والحديث يرد عليه فإن قلت : ورد قوله صلى الله عليه وسلم : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا قلت : هو محمول على النافلة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث