باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه
حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه . جائزته يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه . مطابقته للترجمة في قوله : فليكرم ضيفه ، وأبو شريح بضم الشين المعجمة ، وفتح الراء وبالحاء المهملة ، واسمه خويلد بن عمرو ، وقيل غير ذلك ، وهو من بني عدي بن عمرو بن لحي أخي كعب بن عمرو ، فلذلك قيل له : الكعبي ، مات سنة ثمان وستين بالمدينة .
والحديث قد مضى في أوائل كتاب الأدب في باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره . قوله : جائزته على وزن فاعله من الجواز وهي العطاء ؛ لأنه حق جوازه عليهم ، وقدرها الشارع بيوم وليلة ؛ لأن عادة المسافرين ذلك ، وقال السهيلي : روي جائزته بالرفع على الابتداء ، وهو واضح ، وبالنصب على بدل الاشتمال ، أي يكرم جائزته يوما وليلة ، قوله : والضيافة ثلاثة أيام اختلف في أنه هل اليوم والليلة التي هي الجائزة داخلة في الثلاث أم لا ؟ وإذا قلنا بدخولها يقدم له في اليوم الأول ما يقدم عليه من البر والإلطاف ، وفي اليومين الآخرين ما يحضره ، وإذا قلنا بخروجها فهل هي قبل الثلاثة أو بعدها ، فقد روى مسلم وأحمد من رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري ، عن أبي شريح بلفظ : الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فهذا يدل على المغايرة بين الضيافة والجائزة ، ويدل على أن الجائزة بعد الضيافة . وقال ابن بطال : قسم صلى الله عليه وسلم أمر الضيف ثلاثة أقسام يتحفه في اليوم الأول ، ويتكلف له في اليوم الثاني ، وفي الثالث يقدم إليه ما يحضره ، ويخير بعد الثالث كما في الصدقة ، وقال ابن بطال أيضا : سئل عنه مالك فقال : يكرمه ، ويتحفه يوما وليلة ، وثلاثة أيام ضيافة ، فهذا يدل على أن اليوم والليلة قبل الضيافة بثلاثة أيام .
قوله : ولا يحل له أن يثوي عنده من الثوي وهو الإقامة في المكان ، وفي التوضيح : أن يثوي بفتح أوله وكسر الواو وبالفتح في الماضي ثوى إذا قام ، وأثويت عنده لغة في ثويت ، أي لا يقيم عنده بعد الثلاث ، قوله : حتى يحرجه من الإحراج ، ومن التحريج أيضا ، فعلى الأول بالتخفيف ، وعلى الثاني بالتشديد ، أي لا يضيق صدره بالإقامة عنده بعد الثلاثة ، وفي رواية لمسلم : حتى يؤثمه : يعني يوقعه في الإثم ؛ لأنه قد يغتابه لطول مقامه ، أو يظن به ظنا سيئا ، وفي رواية لأحمد عن أبي شريح : قيل : يا رسول الله ، وما يؤثمه ؟ قال : يقيم عنده لا يجد شيئا يقدمه .