حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه

حدثنا مسدد ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه ، ومعهن أم سليم فقال : ويحك يا أنجشة ، رويدك سوقا بالقوارير ، قال أبو قلابة : فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه ، قوله : سوقك بالقوارير . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه حدو أنجشة بالنساء ، وإسماعيل هو ابن علية ، وأيوب هو السختياني ، وأبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل ، عن أبي الربيع الزهراني وغيره ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن قتيبة به .

قوله : أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على بعض نسائه في رواية حماد بن زيد على ما يأتي ، عن أيوب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان في سفر ، وفي رواية شعبة ، عن ثابت ، عن أنس : كان في منزله فحدا الحادي ، وأخرجه النسائي والإسماعيلي من طريق شعبة بلفظ : وكان معهم سائق وحاد ، وفي رواية أبي داود الطيالسي ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس رضي الله تعالى عنه : كان أنجشة يحدو بالنساء ، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال ، وفي رواية قتادة ، عن أنس كان للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم حاد يقال له أنجشة ، وكان حسن الصوت ، وفي رواية وهيب : وأنجشة غلام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسوق بهن ، وفي رواية حميد ، عن أنس : فاشتد بهن في السياقة ، أخرجها أحمد ، عن ابن أبي عدي عنه . قوله : ومعهن أم سليم بضم السين وفتح اللام ، وهي أم أنس رضي الله تعالى عنه ، وفي رواية وهيب ، عن أيوب كما سيأتي : كانت أم سليم في الثقل ، وفي رواية سليمان التيمي ، عن أنس : كانت أم سليم مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، أخرجه مسلم من طريق يزيد بن زريع ، وحكى عياض أن في رواية السمرقندي في مسلم أم سلمة بدل أم سليم ، قيل : إنه تصحيف ؛ لأن الروايات تظاهرت بأنها أم سليم . قوله : ويحك قد مر غير مرة أن كلمة ويحك كلمة ترحم وتوجع ، يقال لمن يقع في أمر لا يستحقه ، وانتصابه على المصدرية ، وقد ترفع ، وتضاف ، ولا تضاف ، يقال : ويح زيد ، وويحا له ، وويح له .

قوله : يا أنجشة ، بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم وبالشين المعجمة ، ثم بهاء التأنيث ، ووقع في رواية وهيب يا أنجش ، بالترخيم ، قال البلاذري : كان أنجشة حبشيا ، يكنى أبا مارية ، وفي التوضيح : أنجشة غلام أسود للنبي صلى الله عليه وسلم ، ذكروه في الصحابة ، قلت : ذكره أبو عمر في الاستيعاب : أنجشة العبد الأسود ، كان يسوق ، أو يقود بنساء النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عام حجة الوداع ، وكان حسن الصوت ، وكان إذا حدا اعتنقت الإبل ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : يا أنجشة ، رويدك بالقوارير ، وأخرج الطبراني من حديث واثلة أنه كان ممن نفاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المخنثين . قوله : رويدك كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية سليمان التيمي : رويدا ، وفي رواية شعبة : أرفق ، ووقع في رواية حميد : رويدك أرفق جمع بينهما ، ووقع في رواية ، عن حميد كذاك سوقك ، وهي بمعنى كفاك . وقال عياض : رويدا منصوب على أنه صفة لمحذوف ، أي سق سوقا رويدا ، أو أحد حدوا رويدا ، أو على المصدر ، أي أرود رويدا مثل أرفق رفقا ، أو على الحال ، أي سر رويدا ، ورويدك منصوب على الإغراء ، أو مفعول بفعل مضمر ، أي الزم رفقك ، وقال الراغب : رويدا من أرود يرود ، كأمهل يمهل ، وزنه ومعناه ، وهو من الرود بفتح أوله وسكون ثانيه ، وهو الترود في طلب الشيء برفق ، راد وارتاد ، والرائد طالب الكلأ ، ورادت المرأة ترود إذا مشت على هينتها .

وقال الرامهرمزي : رويدا تصغير رود ، وهو مصدر فعل الرائد ، وهو المبعوث في طلب الشيء ، ولم يستعمل في معنى المهلة إلا مصغرا ، قال : وذكر صاحب العين أنه إذا أريد به معنى الترديد في الوعيد لم ينون ، قوله : سوقك كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية حميد : سيرك وهو بالنصب على نزع الخافض ، أي أرفق في سوقك . وقال القرطبي : رويد أي أرفق ، وسوقك مفعول به ، ووقع في رواية مسلم : سوقا ، وقيل : رويدك إما مصدر ، والكاف في محل خفض ، وإما اسم فعل والكاف حرف خطاب ، وسوقك بالنصب على الوجهين ، والمراد به حدوك إطلاقا لاسم المسبب على السبب ، وقال ابن مالك : رويدك اسم فعل بمعنى أرود ، أي أمهل ، والكاف المتصلة به حرف الخطاب ، وفتحة داله بنائية ، ولك أن تجعل رويدك مصدرا مضافا إلى الكاف ، ناصبها سوقك ، وفتحة داله على هذا إعرابية ، قوله : بالقوارير جمع قارورة من الزجاج ، سميت بها لاستقرار الشراب فيها ، وفي رواية هشام ، عن قتادة : رويدك سوقك ، ولا تكسر القوارير ، وزاد حماد في روايته ، عن أيوب قال أبو قلابة : يعني النساء ، وفي رواية همام ، عن قتادة : لا تكسر القوارير قال قتادة : يعني ضعفة النساء ، وقال ابن الأثير : شبه النساء بالقوارير من الزجاج ؛ لأنه يسرع إليها الكسر ، وكان أنجشة يحدو ، وينشد القريض والرجز ، فلم يأمن أن يصيبهن ، أو يقع في قلوبهن حداؤه ، فأمره بالكف عن ذلك ، وفي المثل الغناء رقية الزنا ، وقيل : أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي ، واشتدت فأزعجت الراكب ، وأتعبته ، فنهاه عن ذلك ؛ لأن النساء يضعفن من شدة الحركة . وقال الرامهرمزي : كنى عن النساء بالقوارير ؛ لرقتهن وضعفهن عن الحركة ، والنساء يشبهن بالقوارير في الرقة واللطافة ، وضعف البنية ، وقيل : سقهن كسوقك القوارير ، لو كانت محمولة على الإبل ، وقيل : شبههن بالقوارير لسرعة انقلابهن عن الرضا ، وقلة دوامهن على الوفاء ، كالقوارير يسرع إليها الكسر ، ولا تقبل الجبر ، وقال الطيبي : هي استعارة ؛ لأن المشبه به غير مذكور ، والقرينة حالية لا مقالية ، ولفظ الكسر ترشيح لها .

قوله : قال أبو قلابة هو الراوي عن أنس ، تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة وهي سوق القوارير ، قوله : لو تكلم بها ، أي بهذه الكلمة بعضكم لعبتموها عليه ، أي على الذي تكلم بها . وقال الكرماني : فإن قلت : هذه استعارة لطيفة بليغة فلم تعاب ؟ قلت : لعله نظر إلى أن شرط الاستعارة أن يكون وجه الشبه جليا بين الأقوام ، وليس بين القارورة والمرأة وجه الشبه ظاهرا ، والحق أنه كلام في غاية الحسن ، والسلامة عن العيوب ولا يلزم في الاستعارة أن يكون جلاء الوجه من حيث ذاتهما ، بل يكفي الجلاء الحاصل من القرائن الجاعلة للوجه جليا ظاهرا ، كما في المبحث ، ويحتمل أن يكون قصد أبي قلابة أن هذه الاستعارة تحسن من مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغة ، ولو صدرت ممن لا بلاغة له لعبتموها ، وهذا هو اللائق بمنصب أبي قلابة ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث