باب لا تسبوا الدهر
حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة ، قال : قال أبو هريرة رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله : يسب بنو آدم الدهر ، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : يسب بنو آدم الدهر ؛ لأن معناه في الحقيقة يرجع إلى لفظ لا تسبوا الدهر ، ويؤيد هذا رواية مسلم المصرحة بذلك كما ذكرناه ، والحديث أخرجه النسائي أيضا في التفسير عن وهب بن بيان . قوله : يسب بنو آدم الدهر إلى آخره ، قال الخطابي : كانت الجاهلية تضيف المصائب ، والنوائب إلى الدهر الذي هو من الليل والنهار ، وهم في ذلك فرقتان : فرقة لا تؤمن بالله ، ولا تعرف إلا الدهر الليل والنهار اللذان هما محل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار ، فتنسب المكاره إليه على أنها من فعله ، ولا ترى أن لها مدبرا غيره ، وهذه الفرقة هي الدهرية الذين حكى الله عنهم في قوله : وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وفرقة تعرف الخالق وتنزهه من أن تنسب إليه المكاره ، فتضيفها إلى الدهر والزمان ، وعلى هذين الوجهين كانوا يسبون الدهر ، ويذمونه فيقول القائل منهم : يا خيبة الدهر ، ويا بؤس الدهر ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: لهم مبطلا ذلك : لا يسبن أحد منكم الدهر ، فإن الله هو الدهر يريد ، والله أعلم ، لا تسبوا الدهر على أنه الفاعل لهذا الصنيع بكم ، فالله هو الفاعل له ، فإذا سببتم الذي أنزل بكم المكاره رجع السب إلى الله تعالى وانصرف إليه ، ومعنى قوله : أنا الدهر أنا مالك الدهر ، ومصرفه فحذف اختصارا للفظ واتساعا في المعنى ، وقال غيره : معنى قوله : أنا الدهر ، أي : المدبر ، أو صاحب الدهر ، أو مقلبه ، أو مصرفه ، ولهذا عقبه بقوله بيدي الليل والنهار ، وقال الكرماني : لم عدل عن الظاهر ، ثم قال : الدلائل العقلية موجبة للعدول ، ويروى بنصب الدهر على معنى أنا باق ، أو ثابت في الدهر ، وروى أحمد ، عن أبي هريرة بلفظ : لا تسبوا الدهر ، فإن الله قال : أنا الدهر ، الأيام والليالي أوجدها وأبليها ، وآتي بملوك بعد ملوك .