باب أفضل الاستغفار
حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا الحسين ، حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن بشير بن كعب العدوي قال : حدثني شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي ، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . قال : ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل ، وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : « سيد الاستغفار » لأن السيد في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في الأمور ، ولما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها استعير له هذا الاسم ، ولا شك أن سيد القوم أفضلهم ، وهذا الدعاء أيضا سيد الأدعية ، وهو الاستغفار .
وأبو معمر ، بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد ، وعبد الوارث بن سعيد العنبري البصري ، والحسين هو ابن ذكوان المعلم ، وعبد الله بن بريدة ، بضم الباء الموحدة وفتح الراء ابن الحصيب الأسلمي ، وبشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن كعب العدوي ، وشداد بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى ابن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بمهملتين الأنصاري ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر ، وشداد صحابي جليل نزل الشام وكنيته أبو يعلى ، واختلف في صحبة أبيه ، وليس لشداد في البخاري إلا هذا الحديث . وأخرجه النسائي أيضا في الاستعاذة عن عمرو بن علي ، وفي اليوم والليلة عنه أيضا . قوله : « سيد الاستغفار » قيل : ما الحكمة في كونه سيد الاستغفار وأجيب بأنه وأمثاله من التعبديات ، والله تعالى أعلم بذلك ، لكن لا شك أن فيه ذكر الله تعالى بأكمل الأوصاف وذكر نفسه بأنقص الحالات ، وهو أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو ، قوله : « أن تقول » بصيغة المخاطب ، وقال بعضهم : أن يقول ، أي : العبد ، واعتمد لما قاله على ما رواه أحمد والنسائي أن سيد الاستغفار أن يقول العبد ، وذكر أيضا ما رواه الترمذي عن شداد : ألا أدلك على سيد الاستغفار .
قلت : رواية أحمد لا تستلزم أن يقدر هنا ، أي : العبد على أن التقدير خلاف الأصل ، ورواية الترمذي تؤيد ما ذكرنا وتدفع ما قاله على ما لا يخفى . قوله : « لا إله إلا أنت خلقتني » ويروى : لا إله إلا أنت أنت خلقتني ، قوله : « وأنا عبدك » قال الطيبي : يجوز أن تكون حالا مؤكدة ، ويجوز أن تكون مقررة ، أي : أنا عابد لك ، ويؤيده عطف قوله : « وأنا على عهدك » وسقطت الواو منه في رواية النسائي ، وقال الخطابي : يريد أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك وإصلاح الطاعة لك ، قوله : « ما استطعت » أي : قدر استطاعتي ، وشرط الاستطاعة في ذلك الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى ، وقال ابن بطال : قوله : « وأنا على عهدك ووعدك » يريد به العهد الذي أخذه الله على عباده ، حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ، فأقروا له بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية ، وبالوعد ما قال على لسان نبيه أن من مات لا يشرك بالله شيئا وأدى ما افترض عليه أن يدخله الجنة ، وقيل : وأدى ما افترض عليه زيادة ليست بشرط في هذا المقام . قلت : إن لم تكن شرطا في هذا فهي شرط في غيره ، وقال الطيبي : يحتمل أن يراد بالعهد والوعد ما في الآية المذكورة ، قوله : « أبوء » من قولهم باء بحقه ، أي : أقر به ، وقال الخطابي : يريد به الاعتراف ، ويقال : قد باء فلان بذنبه إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه ، قوله : « لك » ليست في رواية النسائي ، وقال الطيبي : أعترف أولا بأنه أنعم عليه ولم يقيده ليشمل جميع أنواع النعم مبالغة ، ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها ، ثم بالغ فعده ذنبا مبالغة في التقصير وهضم النفس ، قوله : « من قالها موقنا » أي : مخلصا من قلبه مصدقا بثوابها ، قوله : « ومن قالها من النهار » وفي رواية النسائي : فمن قالها ، قوله : « فمن أهل الجنة » وفي رواية النسائي : دخل الجنة ، وفي رواية عثمان بن ربيعة : إلا وجبت له الجنة ، قيل : المؤمن وإن لم يقلها فهو من أهل الجنة ، وأجيب بأنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار ؛ لأن الغالب أن الموقن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصى الله تعالى أو لأن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار .