حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب التوبة

حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو شهاب ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن الحارث بن سويد ، حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين ، أحدهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر عن نفسه ، قال : إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا . قال أبو شهاب بيده فوق أنفه ، ثم قال : لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه ، فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته ، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله ، قال : أرجع إلى مكاني ، فرجع فنام نومة ، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده . مطابقته للترجمة في قوله : « لله أفرح بتوبة عبده » وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي ، وهو قد نسب إلى جده واشتهر به ، وأبو شهاب اسمه عبد ربه بن نافع الحناط بالحاء المهملة والنون ، وهو أبو شهاب الحناط الصغير ، وأما أبو شهاب الحناط الكبير ، وهو في طبقة شيوخ هذا ، واسمه موسى بن نافع وليسا أخوين ، وهما كوفيان ، وكذا بقية رجال السند ، والأعمش سليمان ، وعمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن عمير ، بضم العين وفتح الميم التيمي تيم الله من بني تيم اللات بن ثعلبة ، والحارث بن سويد التيمي تيم الرباب ، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد ، أولهم الأعمش ، وهو من صغار التابعين ، والثاني عمارة بن عمير ، وهو من أوساطهم ، والثالث الحارث بن سويد ، وهو من كبارهم .

والحديث أخرجه مسلم في التوبة عن عثمان بن أبي شيبة وغيره ، ولم يذكر أن المؤمن يرى ، إلى آخر القصة ، وأخرجه الترمذي في الزهد عن هناد وغيره ، وأخرجه النسائي في النعوت عن محمد بن عبيد وغيره ، وذكر قصة التوبة فقط ، قوله : « حديثين » أحدهما عن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - والآخر عن نفسه ، أي : نفس ابن مسعود ، ولم يصرح بالمرفوع إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وقال النووي وابن بطال أيضا : إن المرفوع هو قوله : « لله أفرح » إلى آخره ، والأول قول ابن مسعود ، ووقع البيان في رواية مسلم مع أنه لم يسق موقوف ابن مسعود ، ورواه عن جرير عن الأعمش عن عمارة عن الحارث قال : دخلت على ابن مسعود أعوده ، وهو مريض ، فحدثنا بحديثين ، حديثا عن نفسه ، وحديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لله أشد فرحا الحديث . قوله : « إن المؤمن يرى ذنوبه » إلى قوله : « أن يقع عليه » السبب فيه أن قلب المؤمن منور ، فإذا رأى من نفسه ما يخالف ذلك عظم الأمر عليه ، والحكمة في التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل منه النجاة ، بخلاف الجبل إذا سقط عليه لا ينجو عادة ، قوله : « وإن الفاجر » أي : العاصي الفاسق ، قوله : « كذباب مر على أنفه » وفي رواية الإسماعيلي ، يرى ذنوبه كأنها ذباب مر على أنفه ، أراد أن ذنبه سهل عليه ؛ لأن قلبه مظلم ، فالذنب عنده خفيف ، قوله : « فقال به هكذا » أي : نحاه بيده أو دفعه وذبه ، وهو من إطلاق القول على الفعل ، قوله : « قال أبو شهاب » هو موصول بالسند المذكور ، قوله : « بيده فوق أنفه » تفسير منه لقوله : « فقال به » قوله : « ثم قال » أي : عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، قوله : « لله » اللام فيه مفتوحة للتأكيد ، قوله : « أفرح » وإطلاق الفرح على الله مجاز يراد به رضاه ، وعبر عنه به تأكيدا لمعنى الرضا عن نفس السامع ومبالغة في تقريره ، قوله : « بتوبة عبده » وفي رواية أبي الربيع عند الإسماعيلي عبده المؤمن ، وكذا عند مسلم من رواية جرير ، وكذا عنده من رواية أبي هريرة ، قوله : « وبه » أي : بالمنزل ، أي : فيه مهلكة ، بفتح الميم وكسر اللام وفتحها مكان الهلاك ، ويروى مهلكة على وزن اسم الفاعل ، وقال بعضهم : وفي بعض النسخ بضم الميم وكسر اللام من الرباعي . قلت : لا يقال لمثل هذا من الرباعي ، وليس هذا باصطلاح القوم ، وإنما يقال لمثل هذا من الثلاثي المزيد فيه ، وقال الكرماني : ويروى : وبيئة على وزن فعيلة من الوباء ، وقال بعضهم : لم أقف على ذلك في كلام غيره ، ويلزم عليه أن يكون وصف المذكر ، وهو المنزل بصفة المؤنث في قوله : « وبيئة مهلكة » انتهى .

قلت : عدم وقوفه على هذا لا يستلزم عدم وقوف غيره ومن أين له الوقوف على كلام القوم كلهم حتى يقول لم أقف ؟ ودعواه اللزوم المذكور غير صحيحة ؛ لأن المنزل يطلق عليه البقعة ، قوله : « عليها طعامه وشرابه » وزاد الترمذي في روايته : وما يصلحه ، قوله : « وقد ذهبت راحلته » وفي رواية أبي معاوية : فأضلها فخرج في طلبها ، وفي رواية مسلم : فطلبها ، قوله : « أو ما شاء الله » شك من ابن شهاب ، واقتصر جرير على ذكر العطش ، ووقع في رواية أبي معاوية : حتى إذا أدركه الموت ، قوله : « أرجع » بفتح الهمزة بصيغة المتكلم ، قوله : « إلى مكان فرجع فنام » وفي رواية جرير : أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت ، فوضع رأسه على ساعده ليموت ، وفي رواية أبي معاوية أرجع إلى مكاني الذي أضللتها فيه فأموت فيه ، فرجع إلى مكانه ، فغلبته عينه ، قوله : « فإذا راحلته عنده » كلمة إذا للمفاجأة ، وفي رواية جرير : فاستيقظ وعنده راحلته طعامه وشرابه ، وزاد أبو معاوية في روايته : وما يصلحه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث