باب إذا بات طاهرا
حدثنا مسدد ، حدثنا معتمر قال : سمعت منصورا ، عن سعد بن عبيدة قال : حدثني البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن ، وقل : اللهم أسلمت نفسي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رهبة ورغبة إليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت ، فإن مت مت على الفطرة ، فاجعلهن آخر ما تقول ، فقلت : أستذكرهن وبرسولك الذي أرسلت قال : لا ، ونبيك الذي أرسلت . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : « فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع » ومعتمر هو ابن سليمان ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وسعد بن عبيدة ، بضم العين وفتح الباء الموحدة ، وفي آخره تاء التأنيث ، أبو حمزة الكوفي ، ختن أبي عبد الرحمن ، مات في ولاية عمر بن هبيرة على الكوفة . والحديث مضى في آخر كتاب الوضوء قبل كتاب الغسل عن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن سفيان عن منصور عن سعيد بن عبيد عن البراء ، ومضى الكلام فيه هناك .
قوله : « مضجعك » أي : موضع نومك ، قوله : « وضوءك » بالنصب بنزع الخافض ، أي : كوضوئك للصلاة ، والأمر فيه للندب ، وقال الترمذي : ليس في الأحاديث ذكر الوضوء عند النوم إلا في هذا الحديث ، قوله : « ثم اضطجع » أصله اضتجع ؛ لأنه من باب الافتعال فقلبت التاء طاء ، قوله : « أسلمت نفسي إليك » وفي رواية أبي ذر وأبي زيد : أسلمت وجهي إليك ، قيل : النفس والوجه هنا بمعنى الذات والشخص ، أي : أسلمت ذاتي وشخصي لك ، وقيل : فيه نظر ؛ لأنه جمع بينهما في رواية أبي إسحاق على ما يأتي بعد باب ، ولفظه : أسلمت نفسي إليك ، وفوضت أمري إليك ، ووجهت وجهي إليك ، فإذا كان كذلك فالمراد بالنفس الذات وبالوجه القصد ، ويقال : معنى أسلمت استسلمت وانقدت ، والمعنى : جعلت نفسي منقادة لك تابعة لحكمك إذ لا قدرة لي على تدبيرها ولا على جلب ما ينفعها إليها ولا رفع ما يضرها عنها . قوله : « وفوضت » من التفويض ، وهو تسليم الأمر إلى الله تعالى ، قوله : « وألجأت ظهري إليك » أي : اعتمدت عليك في أموري ، كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يستند إليه ، قوله : « رهبة ورغبة » أي : خوفا من عقابك وطمعا في ثوابك ، وقال ابن الجوزي : أسقط من مع ذكر الرهبة وأعمل إلى مع ذكر الرغبة ، وهو على طريق الاكتفاء ، وأخرج النسائي بلفظ من حيث قال : رهبة منك ورغبة إليك ، وانتصابهما على المفعول له على طريق اللف والنشر ، قوله : « لا ملجأ » بالهمز وجاء تخفيفه ولا منجى بلا همز ، ولكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج وأن يترك الهمز فيهما وأن يهمز المهموز ويترك الآخر فهذه ثلاثة أوجه ، ويجوز التنوين مع القصر ، فتصير خمسة ، ونقل بعضهم عن الكرماني أنه قال : هذان اللفظان إن كانا مصدرين يتنازعان في منك ، وإن كانا ظرفين فلا ، إذ اسم المكان لا يعمل ، وتقديره : لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجى إلا إليك . قلت : لم يذكر الكرماني هذا في هذا الموضع .
قوله : « بكتابك الذي أنزلت » يحتمل أن يراد به القرآن ، وأن يراد به كل كتاب أنزل ، ووقع في رواية أبي زيد المروزي : أنزلته وأرسلته ، بالضمير المنصوب فيهما ، قوله : « وبنبيك الذي أرسلت » والرسول نبي له كتاب ، فهو أخص من النبي ، وقد بسطنا الكلام فيه في ( شرحنا للهداية ) في ديباجته ، وقال النووي : يلزم من الرسالة النبوة لا العكس . قوله : « على الفطرة » أي : دين الإسلام ، قوله : « آخر ما تقول » أي : آخر أقوالك في تلك الليلة ، ووقع في رواية أحمد بدل قوله : « فإن مت مت على الفطرة » بني له بيت في الجنة ، ووقع في آخر الحديث في التوحيد : وإن أصبحت أصبحت خيرا ، أي : صلاحا في الحال وزيادة في الأعمال ، قوله : « فقلت : أستذكرهن » القائل هو البراء ، كذا في رواية أبي ذر وأبي زيد المروزي ، وفي رواية غيرهما : فجعلت أستذكرهن ، أي : أتحفظهن ، ووقع في رواية كتاب الطهارة فرددتها ، أي : فرددت تلك الكلمات لأحفظهن ، وفي رواية مسلم : فرددتهن لأستذكرهن ، قوله : « لا ونبيك الذي أرسلت » قالوا : سبب الرد إرادة الجمع بين المنصبين وتعداد النعمتين ، وقيل : هو تخليص الكلام من اللبس ، إذ الرسول يدخل فيه جبريل عليه السلام ونحوه ، وقيل : هذا ذكر ودعاء ، فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه لاحتمال أن لها خاصية ليست لغيرها .