باب التعوذ من الفتن
حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه ، سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحفوه المسألة ، فغضب فصعد المنبر ، فقال : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم ، فجعلت أنظر يمينا وشمالا ، فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي ، فإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه ، فقال : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : حذافة ، ثم أنشأ عمر ، فقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا ، نعوذ بالله من الفتن ، فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط ، إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط ، وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ مطابقته للترجمة في قوله : « نعوذ بالله من الفتن » وهشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي أبو بكر البصري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الفتن عن معاذ بن فضالة ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن يحيى بن حبيب وعن بندار ، ومضى الكلام فيه أيضا مختصرا في كتاب العلم عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري قال : أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - خرج فقام عبد الله بن حذافة فقال : من أبي ؟ الحديث ، قوله : « أحفوه » بالحاء المهملة والفاء ، أي : ألحوا عليه في السؤال وأكثروا السؤال عنه ، ويقال : أحفيته إذا حملته على أن يبحث عن الخبر ، ويقال : أحفى وألحف ، وقال الداودي : يريد سألوه عما يكره الجواب فيه لئلا يضيق على أمته ، وهذا في مسائل الدين لا في مسائل المال ، قوله : « فجعلت أنظر » القائل به أنس رضي الله تعالى عنه ، قوله : « فإذا » كلمة المفاجأة ، قوله : « لاف رأسه » قال الكرماني : لاف بالرفع والنصب . قلت : أما الرفع فعلى أنه خبر المبتدأ ، وهو قوله : « كل رجل » وأما النصب فعلى أنه حال من رجل ، وقوله : « يبكي » على هذا هو خبر ، قوله : « فإذا كل رجل » وعلى الرفع يكون جملة حالية ، قوله : « فإذا رجل » اسمه عبد الله ، قوله : « إذا لاحى الرجال » أي : إذا خاصم من الملاحاة ، وهي المخاصمة والمنازعة ، قوله : « يدعى » على صيغة المجهول ، أي : كان ينسب إلى غير أبيه ، فقال : يا رسول الله ، أي : فقال الرجل : من أبي ؟ قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : أبوك حذافة ، وحكم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بأنه أبوه إما بالوحي أو بحكم الفراسة أو بالقيافة أو بالاستلحاق ، ولما رجع عبد الله إلى أمه قالت له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : كنا أهل جاهلية ، وإني كنت لا أعرف أبي مَن كان ؟ .
قوله : « ثم أنشأ عمر » أي : طفق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول : رضينا بما عندنا من كتاب الله وسنة نبينا ، واكتفينا به عن السؤال ، وإنما قال ذلك إكراما لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وشفقة على المسلمين لئلا يؤذوا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالتكثير عليه ، وفيه أن غضب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ليس مانعا عن القضاء لكماله ، بخلاف سائر القضاة ، وفيه فهم عمر رضي الله تعالى عنه وفضل علمه ؛ لأنه خشي أن تكون كثرة سؤالهم كالتعنت له . وفيه أنه لا يسأل العالم إلا عند الحاجة ، قوله : « كاليوم » أي : يوما مثل هذا اليوم ، قوله : « وراء الحائط » أي : حائط محراب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .