باب ما يتقى من فتنة المال
حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث لأنه صلى الله عليه وسلم أشار بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا والشره والازدياد ، وهذه آفة يجب الاتقاء منها ، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل البصري ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، وعطاء هو ابن أبي رباح يروي بالسماع عن ابن عباس يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من الأحاديث التي صرح فيها ابن عباس بسماعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهي قليلة بالنسبة إلى مرويه عنه ، فإنه أحد المكثرين ، ومع ذلك فتحمله كان أكثره عن كبار الصحابة . والحديث أخرجه مسلم في الزكاة عن زهير بن حرب وهارون بن عبد الله .
قوله : لو كان لابن آدم واديان وفي الحديث الذي يليه : لو كان لابن آدم مثل واد مالا ، وفي الحديث الآخر : لو أن ابن آدم أعطي واديا ، وفي الآخر : لو أن لابن آدم واديان . قوله : من مال وفي الحديث الثالث : ملأ من ذهب ، وفي الحديث الرابع : واديا من ذهب ، وعند أحمد في حديث زيد بن أرقم من ذهب وفضة . قوله : لابتغى بالغين المعجمة من الابتغاء وهو الطلب ، وفي الحديث الثاني : لأحب أن له إليه مثله ، وفي حديث أنس لتمنى مثله ثم تمنى مثله حتى يتمنى أودية ، وفي الحديث الثالث : أحب إليه ثانيا وفي الرابع : أحب إليه أن يكون له واديا ، وقال الكرماني : في قوله : لابتغى لهما ثالثا ، فزاد لفظة لهما في شرحه ، ثم قال : فإن قلت : الابتغاء لا يستعمل باللام .
قلت : هذا متعلق بقوله : ثالثا أي : ثالثا لهما أي : مثلثهما . انتهى . قوله : ولا يملأ جوف ابن آدم وفي الحديث الثاني : ولا يملأ عين ابن آدم وفي الثالث : ولا يسد جوف ابن آدم وفي الرابع : ولن يملأ فاه وفي رواية الإسماعيلي عن ابن جريج : لا يملأ نفس ابن آدم ، وفي مرسل جبير بن يغير : ولا يشبع جوف ابن آدم بضم الياء من الإشباع ، وفي حديث زيد بن أرقم ولا يملأ بطن ابن آدم .
وقال الكرماني : ما وجه ذكره في الرواية الأولى الجوف وفي الثانية العين وفي الثالثة الفم ؟ قلت : ليس المقصود منه الحقيقة بقرينة عدم الانحصار على التراب إذ غيره يملؤه أيضا بل هو كناية عن الموت لأنه مستلزم للامتلاء فكأنه قال : لا يشبع من الدنيا حتى يموت ، فالغرض من العبارات كلها واحد ليس فيها إلا التفنن في الكلام ، وقال بعضهم : هذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث ، وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة . انتهى . قلت : إحالته على كلام الشارع أولى من إحالته إلى تصرف الرواة مع أن فيه تغيير لفظ الشارع .
فإن قلت : نسبة الامتلاء إلى الجوف والبطن واضحة ، فما وجهها إلى النفس والفم والعين ؟ قلت : أما النفس فعبر بها عن الذات وأراد البطن من قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء ، وأما الفم فلكونه الطريق إلى الوصول إلى الجوف ، وأما العين فلأنها الأصل في الطلب لأنه يرى ما يعجبه فيطلبه ليحوزه إليه ، وخص البطن في أكثر الروايات لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل المستلذات . وأكثرها تكرار للأكل والشرب ، وقال الطيبي : وقع قوله : ولا يملأ . إلى آخره موقع التذييل والتقرير للكلام السابق كأنه قيل : ولا يشبع من خلق من التراب إلا بالتراب .
قوله : ويتوب الله على من تاب أي : من المعصية ، ورجع عنها يعني : يوفقه للتوبة ، أو يرجع عليه من التشديد إلى التخفيف أو يرجع عليه بقبوله .