باب الغنى غنى النفس
- باب الغنى غنى النفس وقول الله تعالى : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ إلى قوله تعالى : مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ في رواية أبي ذر إلى عَامِلُونَ وبقية هذه الآية بعد بنين نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ثم من بعد هذه الآية إلى قوله : هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ثمان آيات أخرى فالجملة تسع آيات ساقها الكرماني كلها في شرحه ، ثم قال : غرض البخاري من ذكر الآية أن المال مطلقا ليس خيرا .
قوله : أَيَحْسَبُونَ الآية نزلت في الكفاء وليست بمعارضة لدعائه صلى الله عليه وسلم لأنس بكثرة المال والولد ، والمعنى أيحسبون أن ما نمدهم به أي : نعطيهم ونزيدهم من مال وبنين مجازاة لهم وخيرا بل هو استدراج لهم ، ثم بين المسارعين إلى الخيرات من هم فقال : إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي : خائفون وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ أي : يصدقون ، وهذه الآية والتي بعدها في مدح هؤلاء المتقين . قوله : " : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ أي : يعطون ما أعطوا من . والصدقات ، والحال أن قلوبهم وجلة أي : خائفة أن لا يقبل منهم .
قوله : " يُسَارِعُونَ " يقول : سارعت وأسرعت بمعنى واحد إلا أن سارعت أبلغ من أسرعت . قوله : " وَهُمْ لَهَا " أي : إليها والتقدير : وهم يسابقونها . قوله : " إِلا وُسْعَهَا " يعني إلا ما يسعها .
قوله : وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يعني اللوح المحفوظ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ يعني يشهد بما عملوه . قوله : بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ إضراب عن وصف المتقين وشروع في وصف الكفار أي : في غفلة عن الإيمان بالقرآن ، قاله مقاتل ، وقيل : في عماية من هذا أي : من القرآن . قوله : وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ أي : أعمال سيئة دون الشرك ، وقيل : دون أعمال المؤمنين .
قوله : هُمْ لَهَا عَامِلُونَ إخبار عما سيعملونه من الأعمال الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد أن يعملوها . ج٢٣ / ص٥٥وقال ابن عيينة : لم يعملوها لا بد من أن يعملوها . أي : قال سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى : وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ حاصله كتبت عليهم أعمال سيئة لا بد من أن يعملوها قبل موتهم ليحق عليهم كلمة العذاب .
33 - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأما وجه المناسبة بين الحديث والآية هو أن خيرية المال ليست لذاته بل بحسب ما يتعلق به وإن كان يسمى خيرا ، وكذلك ليس صاحب المال الكثير غنيا لذاته بل بحسب تصرفه فيه ، فإن كان غنيا في نفسه لم يتوقف في صرفه في الواجبات والمستحبات من وجوه البر والقربات ، وإن كان في نفسه فقيرا أمسكه وامتنع من بذله فيما أمر به خشية من نفاده فهو في الحقيقة فقير صورة ومعنى ، وإن كان المال تحت يده لكونه لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة بل ربما كان وبالا عليه . وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس التيمي اليربوعي الكوفي وهو شيخ مسلم أيضا ، وأبو بكر هو ابن عياش بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة القارئ المشهور الكوفي ، وأبو حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي ، وأبو صالح ذكوان الزيات .
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد عن أحمد بن بديل بن قريش اليامي الكوفي . قوله : " من كثرة العرض " بفتحتين حطام الدنيا وبالسكون المتاع ، وقال أبو عبيد : العروض الأمتعة وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يدخله كيل ولا وزن ، وقال ابن فارس : العرض بالسكون كل ما كان من المال غير نقد ، وجمعه عروض ، وأما بالفتح فما يصيبه الإنسان من حظ في الدنيا ، قال تعالى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وقال : وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ حاصل معنى الحديث ليس الغنى الحقيقي المعتبر من كثرة المال بل هو من استغناء النفس وعدم الحرص على الدنيا ، ولهذا ترى كثيرا من المتمولين فقير النفس مجتهدا في الزيادة ، فهو لشدة شرهه وشدة حرصه على جمعه كأنه فقير ، وأما غنى النفس فهو من باب الرضا بقضاء الله لعلمه أن ما عند الله لا ينفد .