باب نفخ الصور
( باب نفخ الصور ) أي : هذا باب في بيان نفخ الصور ، وهو بضم الصاد المهملة وسكون الواو ، وروى عن الحسن أنه قرأها بفتح الواو ، جمع صورة ، وتأوله على أن المراد النفخ في الأجساد لتعاد إليها الأرواح . وقال أبو عبيدة في المجاز : يقال الصور ، يعني بسكون الواو جمع صورة ، كما يقال سور المدينة جمع سورة . وحكى الطبري عن قوم مثله وزاد : كالصوف جمع صوفة .
ورد على هذا بأن الصور اسم جنس لا جمع ، قال : وقال الأزهري : إنه خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة ، ويأتي تفسيره الآن . قال مجاهد : الصور كهيئة البوق . هذا التعليق وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال في قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ قال : كهيئة البوق ج٢٣ / ص٩٩الذي يزمر به ، وهو معروف ، ويقال : إن الصور اسم القرن بلغة أهل اليمن ، قيل : كيف شبه الصور بالقرن الذي هو مذموم ؟ وأجيب : لا مانع من ذلك ، ألا يرى كيف شبه صوت الوحي بصلصلة الجرس مع ورود النهي عن استصحابه ، فإن قلت : مماذا خلق الصور ؟ قلت : روى أبو الشيخ في كتاب العظمة من طريق وهب بن منبه من قوله قال : خلق الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة ، ثم قال للعرش : خذ الصور فتعلق به ، ثم قال : كن فكان إسرافيل عليه السلام ، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة ، فذكر الحديث ، وفيه : ثم يجمع الأرواح كلها في الصور ، ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل عليه السلام فينفخ فيه فتدخل كل روح في جسدها .
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه ، والنسائي وابن حبان وصححه ، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ، قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما الصور ؟ قال : قرن ينفخ فيه. " زجرة " صيحة وقال ابن عباس : الناقور الصور .
الراجفة : النفخة الأولى ، والرادفة : النفخة الثانية . هذا من تفسير ابن عباس أيضا في قوله عز وجل : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أي : النفخة الأولى تتبعها النفخة الثانية ، وصله الطبري وابن أبي حاتم أيضا بالسند المذكور وبه فسر الفراء في معاني القرآن ، وعن مجاهد : الراجفة الزلزلة ، والرادفة الدكدكة .
أخرجه الفريابي وغيره عنه ، وقال الكرماني : واختلف في عددها ، والأصح أنها نفختان ، قال تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ والقول الثاني : إنها ثلاث نفخات ؛ نفخة الفزع ، فيفزع أهل السماوات والأرض بحيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، ثم نفخة الصعق ، ثم نفخة البعث ، فأجيب بأن الأوليين عائدتان إلى واحدة فزعوا إلى أن صعقوا ، والمشهور أن صاحب الصور إسرافيل عليه الصلاة والسلام ، ونقل فيه الحليمي الإجماع ، فإن قلت : جاء أن الذي ينفخ في الصور غير إسرافيل ، فروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن الحارث : كنا عند عائشة فقالت : يا كعب ، أخبرني عن إسرافيل ، قيل : .. . فذكر الحديث ، وفيه : وملك الصور جاثي على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى ، يلتقم الصور محنيا ظهره شاخصا ببصره ينظر إلى إسرافيل ، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور ، فقالت عائشة : سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . قلت : فيه زيد بن جدعان ، وهو ضعيف ، فإن قلت : يؤيد الحديث المذكور ما أخرجه هناد بن السري في كتاب الزهد " ما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان " يعني في الصور .
قلت : هذا موقوف على عبد الرحمن بن أبي عمرة ، فإن قلت : روي عن الإمام أحمد من طريق سليمان التيمي عن أبي .. . .. . عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " النافخان في السماء الثانية ، رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب ، والآخر بالعكس ، ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا " ، ورجاله ثقات ، وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بغير شك .
وروى ابن ماجه والبزار من حديث أبي سعيد رفعه " أن صاحبي الصور بأيديهما قرنان ج٢٣ / ص١٠٠يلاحظان النظر متى يؤمران " ، وقال بعض العلماء : الملك الذي إذا رأى إسرافيل ضم جناحيه في حديث عائشة ينفخ النفخة الأولى ، وإسرافيل ينفخ النفخة الثانية ، وهي نفخة البعث . 104 - حدثني عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وعبد الرحمن الأعرج ، أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال : استب رجلان ؛ رجل من المسلمين ورجل من اليهود ، فقال المسلم : والذي اصطفى محمدا على العالمين . فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين .
قال : فغضب المسلم عند ذلك فلطم وجه اليهودي ، فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخيروني على موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون في أول من يفيق ، فإذا موسى باطش بجانب العرش ، فلا أدري أكان موسى فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله . وجه المطابقة بين الحديث والترجمة يمكن أن يؤخذ من قوله : " فإن الناس يصعقون يوم القيامة " إلى آخر الحديث ، ولكن فيه تعسف ، وقد تكرر ذكر رجاله . والحديث مضى في باب ما يذكر في الأشخاص ، فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن قزعة عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ، إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك .
قوله : " لا تخيروني " أي : لا تفضلوني ولا تجعلوني خيرا منه ، قيل : هو صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل المخلوقات ، فلم نهى عن التفضيل ؟ وأجيب بأن معناه : لا تفضلوني بحيث يلزم نقص أو غضاضة على غيره من الفضل ، أو بحيث يؤدي إلى خصومة ، أو قاله تواضعا ، أو كان هذا قبل علمه بأنه كان سيد ولد آدم . وقال ابن بطال : لا تفضلوني عليه في العمل ، فإنه أكثر عملا مني ، والثواب بفضل الله لا بالعمل . أو لا تفضلوني في البلوى والامتحان ، فإنه أكثر محنة مني وأعظم إيذاء وبلاء .
قوله : " يصعقون " بفتح العين في المضارع وبكسرها في الماضي ، من صعق إذا غشي عليه . وقال ابن الأثير : الصعق أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه ، وربما مات منه ، ثم استعمل في الموت كثيرا . وقال القاضي : يحتمل أن هذه الصعقة صعقة فزع بعد البعث ، حتى تنشق السماوات والأرض ، يدل عليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم " فأفاق قبلي " ، لأنه إنما يقال أفاق من الغشي ، وأما الموت فيقال بعث منه ، وصعقة الطور لم تكن موتا وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم " فلا أدري أكان موسى فيمن صعق فأفاق قبلي " فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن علم أنه أول من تنشق عنه الأرض إن كان هذا اللفظ على ظاهره ، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم أول شخص ممن تنشق عنهم الأرض ، فيكون موسى عليه السلام من تلك الزمرة ، وهي والله أعلم زمرة الأنبياء عليهم السلام .
قوله : " أو كان ممن استثنى الله " أي : فيما قال : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وفيه عشرة أقوال : الأول : أنهم الموتى ، لكونهم لا إحساس لهم ، والثاني : الشهداء ، الثالث : الأنبياء عليهم السلام ، وإليه مال البيهقي وجوز أن يكون موسى عليه السلام ممن استثنى الله ، الرابع : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، ثم يموت الثلاثة ثم يقول الله لملك الموت مت فيموت ، قاله يحيى بن سلام في تفسيره ، الخامس : حملة العرش ، لأنهم فوق السماوات ، السادس :
موسى عليه السلام وحده أخرجه الطبري بسند فيه ضعف عن أنس وعن قتادة ، وذكره الثعلبي عن جابر، السابع : الولدان الذين في الجنة والحور العين ، الثامن : خزان الجنة ، التاسع : خزان النار وما فيها من الحيات والعقارب ، حكاه الثعلبي ، العاشر : الملائكة كلهم ، جزم به ابن حزم في الملل والنحل ، فقال : الملائكة أرواح لا أرواح فيها ، فلا يموتون أصلا .