باب كيف الحشر
( باب كيف الحشر ) أي : هذا باب فيه بيان كيفية الحشر ، وفي بعض النسخ " باب الحشر " بدون لفظ " كيف " ، قال القرطبي : الحشر الجمع ، والحشر على أربعة أوجه : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة ؛ أما أحد الحشرين اللذين في الدنيا : فهو المذكور في سورة الحشر ، في قوله عز وجل : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ قال الزهري : كانوا من سبط لم يصبهم الجلاء ، وكان الله تعالى قد كتبه عليهم ، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا ، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام ، وأما الحشر الآخر : فهو ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا الباب " يحشر الناس على ثلاث طرائق " . . الحديث ، وقال قتادة : الحشر الثاني نار تخرج من المشرق إلى المغرب ، وفيه " تأكل منهم من تخلف " ، قال عياض : هذا قبل قيام الساعة . وأما أحد الحشرين اللذين في الآخرة : فهو حشر الأموات من قبورهم بعد البعث إلى الموقف ، وأما الحشر الآخر ، الذي هو الرابع : فهو حشرهم إلى الجنة أو النار .
109 - حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا وهيب ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يحشر الناس على ثلاث طرائق ؛ راغبين وراهبين ، واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير ، ويحشر بقيتهم النار ؛ تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا . مطابقته للترجمة ظاهرة . ومعلى : بلفظ اسم المفعول من التعلية ، ابن أسد البصري ، ووهيب : مصغر وهب ، هو ابن خالد ، وابن طاوس : هو عبد الله ، يروي عن أبيه طاوس عن ابن عباس .
والحديث أخرجه مسلم في باب " يحشر الناس على طرائق " عن زهير بن حرب وغيره . قوله : " ثلاث طرائق " أي : ثلاث فرق ، قال الكرماني : قالوا هذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة ، كما يجيء في الحديث الذي بعده " إنكم ملاقو الله مشاة " ، ولما فيه من ذكر المساء والصباح ، ولانتقال النار معهم ، وهي نار تحشر الناس ج٢٣ / ص١٠٥من المشرق إلى المغرب . قلت : قال الخطابي : هذا الحشر قبيل قيام الساعة ، يحشر الناس أحياء إلى الشام ، وأما الحشر من القبور إلى الموقف فهو على خلاف هذه الصورة من الركوب على الإبل والتعاقب عليها ، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس في الباب " حفاة عراة مشاة " .
قوله : " راغبين " هم السابقون . قوله : " وراهبين " هم عامة المؤمنين ، والكفار أهل النار ، وفي رواية مسلم " راهبين " بغير واو . قوله : " واثنان على بعير " قال الكرماني : والأبعرة إنما هي للراهبين ، والمخلصون حالهم أعلى وأجل من ذلك ، أو هي للراغبين ، وأما الراهبون فيكونون مشاة على أقدامهم ، أو هي لهما بأن يكون اثنان من الراغبين مثلا على بعير وعشرة من الراهبين على بعير ، والكفار يمشون على وجوههم .
وقال الخطابي : قوله : " واثنان على بعير وثلاثة على بعير " إلى آخره ، يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد ، يركب بعض ويمشي بعض ، وإنما لم يذكر الخمسة والستة إلى العشرة إيجازا واكتفاء بما ذكر من الأعداد ، مع أن الاعتقاب ليس مجزوما به ، ولا مانع أن يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة ، وقال بعض شراح المصابيح : حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه ، وذكر وجوها طوينا ذكرها واكتفينا بما قاله الخطابي الذي ذكرناه الآن ، وفيه كفاية للرد عليه ، على أنه قد وردت عدة أحاديث في وقوع الحشر في الدنيا إلى جهة الشام ، منها : حديث معاوية بن حيدة قال : " سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : إنكم تحشرون - ونحا بيده نحو الشام - رجالا وركبانا ، وتحشرون على وجوهكم " أخرجه الترمذي والنسائي . قوله : " تقيل " من القيلولة ، وهي استراحة نصف النهار ، وإن لم يكن معها نوم ، يقال : قال يقيل قيلولة ، فهو قائل ، وفي قوله " يقيل " إلى آخره ، دلالة على أنهم يقيمون كذلك أياما . قوله : " وتبيت " من البيتوتة ، وتصبح من الإصباح ، وتمسي من الإمساء .