حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب كيف الحشر

113 - حدثني محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : إنكم محشورون حفاة عراة كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ الآية ، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصيحابي ! فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ إلى قوله : الْحَكِيمُ قال : فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم .

هذا طريق آخر في حديث ابن عباس السابق أخرجه عن محمد بن بشار : بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة ، وغندر : بضم الغين المعجمة وسكون النون ، وقد مر غير مرة ، وهو لقب محمد بن جعفر ، عن شعبة بن الحجاج عن المغيرة بن النعمان النخعي .

قوله : " محشورون " جمع محشور ، اسم مفعول من حشر ، كذا هو في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره " تحشرون " على صيغة المجهول من المضارع ، فإن قلت : روى أبو داود أن أبا سعيد لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : " إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها " . قلت : التوفيق بين الحديثين بأن يقال : إن بعضهم يحشر عاريا وبعضهم كاسيا ، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة .

قوله : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ الآية ، ساق ابن المثنى الآية كلها إلى قوله فَاعِلِينَ قوله : " وأن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه الصلاة والسلام " ، قيل : ما وجه تقدمه على سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ وأجيب أنه لعله بسبب أنه أول من وضع سنة الختان وفيه كشف لبعض العورة فجوزي بالستر أولا ، كما أن الصائم العطشان يجازى بالريان ، وقيل : الحكمة في ذلك أنه جرد حين ألقي في النار ، وقيل : لأنه أول من استن الستر بالسراويل ، وقال القرطبي في شرح مسلم : يجوز أن يراد بالخلائق من عدى نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يدخل هو في عموم خطاب نفسه ، وقال تلميذه القرطبي أيضا في التذكرة : هذا حسن لولا ما جاء من حديث علي رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه ابن المبارك في الزهد من طريق عبد الله بن الحارث " عن علي رضي الله تعالى عنه : أول من يكسى يوم القيامة خليل الله عليه السلام قبطيتين ، ثم يكسى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حلة حبرة عن يمين العرش " . قلت : العجب من القرطبي كيف يقول يجوز أن يراد بالخلائق من عدى نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إلى آخره ، لأن العام لا يخص إلا بدليل مستقل لفظي مقترن ، كما عرف في موضعه ، على أن ما رواه ابن المبارك المذكور يدفعه .

[23/107]

وروى أبو يعلى عن ابن عباس مطولا مرفوعا نحو حديث الباب وزاد " وأول من يكسى من الجنة إبراهيم عليه السلام ، يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ، ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر ، ثم يؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش " . قيل : هل فيه دلالة على أن إبراهيم عليه السلام أفضل منه صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ وأجيب بأنه لا يلزم من اختصاص الشخص بفضيلة كونه أفضل مطلقا .

قوله : " ذات الشمال " أي : طريق جهنم وجهتها . قوله : " أصيحابي " أي : هؤلاء أصحابي ، ذكرهم بالتصغير وهو من باب تصغير الشفقة ، كما في يا بني . قوله : " العبد الصالح " أراد به عيسى عليه السلام . قوله : " لم يزالوا " وفي رواية الكشميهني " لن يزالوا " . قوله : " مرتدين " ، قال الخطابي : لم يرد بقوله " مرتدين " الردة عن الإسلام ، بل التخلف عن الحقوق الواجبة ، ولم يرتد أحد بحمد الله من الصحابة ، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب . وقال عياض : هؤلاء صنفان ؛ إما العصاة وإما المرتدون إلى الكفر . وقيل : هو على ظاهره من الكفر ، والمراد بأمتي أمة الدعوة لا أمة الإجابة . وقال ابن التين : يحتمل أن يكونوا منافقين أو مرتكبي الكبائر . وقال الداودي : لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر والبدع في ذلك . وقال النووي : قيل : هم المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل لكونهم من جملة الأمة ، فيناديهم من السيماء التي عليهم ، فيقال : إنهم بدلوا بعدك ، أي : لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه . قال عياض وغيره : وعلى هذا فتذهب عنهم الغرة والتحجيل ويطفى نورهم . وقال الفربري : ذكر عن أبي عبد الله البخاري عن قبيصة قال : هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقاتلهم أبو بكر حتى قتلوا أو ماتوا على الكفر .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث