باب قول الله تعالى أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
( باب قول الله تعالى : أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ أي : هذا باب في قول الله تعالى إلى آخره ، قوله : " أَلا يَظُنُّ " أي : ألا يستيقن ، والظن هنا بمعنى اليقين ، " أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ " فيسألون عما فعلوا في الدنيا . قوله : " لِيَوْمٍ عَظِيمٍ " يعني يوم القيامة ، " يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " لفصل القضاء بين يدي ربهم ، وقال كعب : يقفون ثلاثمائة عام . وقال مقاتل : وذلك إذا خرجوا من قبورهم .
وقال ابن عباس : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ قال : الوصلات في الدنيا . أي : قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ " الوصلات في الدنيا ، بضم الواو والصاد المهملة ، وقال ابن التين : ضبطناه بضم الصاد وفتحها وسكونها . وقال الكرماني : هو جمع الوصلة وهي الاتصال ، وكل ما اتصل بشي فما بينهما وصلة .
وقال أبو عبيد : الأسباب هي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا .
وعن ابن عباس : الأسباب الأرحام . رواه الطبري من طريق ابن جريج عنه ، وهو منقطع، وأخرج عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة : الأسباب الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا ، يتواصلون بها ويتحابون ، فصارت عداوة يوم القيامة .
118 - حدثنا إسماعيل بن أبان ، حدثنا عيسى بن يونس ، حدثنا ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قال : يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه . مطابقته للترجمة ظاهرة . وإسماعيل بن أبان : بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة منصرفا ، الوراق الوزان الكوفي ، وعيسى بن يونس بن إسحاق بن أبي إسحاق : السبيعي الكوفي ، سكن ناحية الشام موضعا يقال له الحدث ، ومات بها أول سنة إحدى وتسعين ومائة ، وابن عون : هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري .
والحديث أخرجه مسلم في صفة النار عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه الترمذي في الزهد والتفسير عن هناد عن عيسى به ، وأخرجه النسائي في التفسير عن هناد به ، وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن أبي بكر به . قوله : " في رشحه " الرشح : العرق . قوله : " أنصاف أذنيه " ، كقوله : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ويمكن الفرق بأنه لما كان لكل شخص أذنان فهو من باب إضافة الجمع إلى مثله بناء على أن أقل الجمع اثنان .
قلت : روي في هذا الباب أحاديث مختلفة ، فروى البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن " ،
وروى الطبراني وأبو يعلى وصححه ابن حبان من حديث أبي الأحوص عن عبد الله قال : " قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن الكافر ليلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذلك اليوم ، حتى يقول : يا رب أرحني ولو إلى النار "، وروى مسلم من حديث سليم بن عامر عن المقداد : " سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قيد ميل أو ميلين ، قال سليم : لا أدري أراد أي الميلين أمسافة الأرض أو الذي يكتحل به ، قال : فتهصرهم الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم ، فمنهم من يأخذه إلى حقويه ومنهم من يلجمه إلجاما ، قال : فرأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يشير بيده إلى فيه " ، وروى الحاكم " عن عقبة بن عامر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس ؛ فمن الناس من يبلغ عرقه عقبه ، ومنهم من يبلغ نصف ساقه ، ومنهم من يبلغ ركبتيه ج٢٣ / ص١١١ومنهم من يبلغ فخذه ، ومنهم من يبلغ خاصرته ، ومنهم من يبلغ منكبيه ، ومنهم من يبلغ فاه ، فأشار بيده فألجمها ، ومنهم من يغطيه عرقه ، وضرب بيده على رأسه هكذا " ، وروى ابن أبي شيبة عن سلمان الخبر قال : " تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ، ثم تدنى من جماجم الناس حتى يكون قاب قوسين ، قال : فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة ، ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل ، قال سلمان : حتى يقول الرجل غرغر ، وقال القرطبي : إن هذا لا يضر مؤمنا كامل الإيمان ، أو من استظل بالعرش " ، وروي عن سلمان " ولا يجد حرها مؤمن ولا مؤمنة ، وأما الكفار فتطبخهم طبخا حتى يسمع لإحراقهم عق عق " ،
وروى البيهقي في الشعب " عن عبد الله بن عمرو بسند لا بأس به قال : يشتد كرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق ، قيل له : فأين المؤمن ؟ قال : على كرسي من ذهب ، ويظل عليهم الغمام "، وعن أبي ظبيان : " قال أبو موسى : الشمس فوق رؤوس الناس وأعمالهم تظلهم " .