باب القصاص يوم القيامة
( باب القصاص يوم القيامة ) وهي الحاقة ، لأن فيها الثواب ، وحواق الأمور ، الحقة والحاقة واحد . أي : القيامة تسمى الحاقة ، قوله : " وحواق الأمور " بالنصب ، أي : ولأن فيها ثوابت الأمور ، يعني : يتحقق فيها الجزاء من الثواب والعقاب ، وسائر الأمور الثابتة الحقة الصادقة .
قوله : " الحقة والحاقة " واحد ، يعني في المعنى كذا نقل عن الفراء ، وقيل : سميت الحاقة لأنها تحاق الكفار الذين خالفوا الأنبياء ، يقال : حاققته فحققته ، أي : خاصمته فخصمته ، وقيل : لأنها حق لا شك فيها . والقارعة والغاشية والصاخة والتغابن ، غبن أهل الجنة أهل النار . أي : وهي القارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها ، وقال الجوهري : القارعة الشديدة من شدائد الدهر ، وهي الداهية ، وأصل معنى القرع الدق ، ومنه قرع الباب وقرع الرأس بالعصا .
قوله : " والغاشية " سميت بذلك لأنها تغشى النار بإفزاعها ، أي : تعمهم بذلك ، وعن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب : الغاشية النار ، وقال أكثر المفسرين : الغاشية القيامة ، تغشى كل شيء بالأهوال . قوله : " والصاخة " هي في الأصل الداهية ، وفي الصحاح : الصاخة الصيحة ، يقال : صخ الصوت الأذن يصخها صخا ، ومنه سميت القيامة ، وقال الثعلبي : الصاخة يعني صخة القيامة ، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع ، أي : تتابع في إسماعها حتى تكاد تصمها . قوله : " والتغابن " بالرفع ، عطف على ما قبله ، وهو تفاعل من الغبن ، وهو فوت الحظ والمراد ، وقال المفسرون : المغبون من غبن أهله ومنازله ج٢٣ / ص١١٢في الجنة ، ويظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان ، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام .
قوله : " غبن أهل الجنة " ، فقوله : " غبن " فعل ماض ، و" أهل الجنة " فاعله ، و" أهل النار " بالنصب مفعوله ، ومعناه أن أهل الجنة ينزلون منازل الأشقياء التي كانت أعدت لهم لو كانوا سعداء ، وقال بعضهم : فعلى هذا التغابن من طرف واحد ، ولكنه ذكر بهذه الصيغة للمبالغة انتهى . قلت : لا نسلم صحة ما قاله ، ولم يقل أحد إن صيغة التفاعل تجيء للمبالغة ، والتفاعل هنا على أصله ، وهو الاشتراك بين القوم ، ولا شك أنهم مشتركون في أصل الغبن لأن كل غابن فله مغبون . 120 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثني شقيق ، قال : سمعت عبد الله رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : أول ما يقضى بين الناس بالدماء .
مطابقته للترجمة من حيث إن القضاء يوم القيامة هو للقصاص . وعمر بن حفص : يروي عن أبيه حفص بن غياث عن سليمان الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، والرجال كلهم كوفيون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الديات عن عبيد الله بن موسى ، وأخرجه مسلم في الحدود عن عثمان بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه الترمذي في الديات عن أبي كريب وغيره ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث به وعن غيره ، وأخرجه ابن ماجه في الديات عن محمد بن عبد الله بن نمير وغيره .
قوله : " بالدماء " وفي رواية الكشميهني " في الدماء " والمعنى : القضاء بالدماء التي كانت بين الناس في الدنيا ، فإن قلت : روى أبو هريرة مرفوعا " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته " . قلت : لا تعارض بينهما ، لأن الأول فيما يتعلق بمعاملات الخلق والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق ، وفي حديث الصور الطويل " عن أبي هريرة رفعه : أول ما يقضى بين الناس في الدماء ، ويأتي كل قتيل قد حمل رأسه فيقول : رب سل هذا فيم قتلني ؟ " وفي حديث نافع بن جبير عن ابن عباس رفعه " يأتي المقتول معلق رأسه بإحدى يديه ملببا قاتله بيده الأخرى ، تسخب أوداجه دما ، حتى يقفا بين يدي الله . 121 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها ، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من ، قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته ، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله " من قبل أن يؤخذ " إلى آخره . وإسماعيل : هو ابن أبي أويس . والحديث أخرجه الترمذي في الزهد عقيب حديث زيد بن أبي أنيسة .
قوله : " مظلمة " بفتح اللام والكسر ، وهو أشهر ، وهي اسم ما أخذ منك بغير حق . قوله : " لأخيه " وفي رواية الكشميهني " من أخيه " . قوله : " فليتحلله " أي : فليسأله أن يجعله حلاله ، وليطلب منه براءة ذمته قبل يوم القيامة .
قوله : " فإنه ليس ثم " أي : فإن الشأن ليس هناك درهم ، و" ثم " بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم وهو اسم يشار به إلى المكان البعيد ، وهو ظرف لا يتصرف ، فلذلك غلط من أعربه مفعولا لرأيت في قوله تعالى : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ قوله : " من حسناته " أي : من ثوابها فيزاد على ثواب المظلوم ، قيل : ثواب الحسنة خالد أبدا غير متناه ، وجزاء السيئة من الظلم غيره متناه ، فكيف يقع غير المتناهي موقع المتناهي ؟ وكيف يقوم مقامه فيصير المظلوم ظالما ؟ وأجيب بأنه يعطى خصمه من أصل ثواب الحسنة ما يوازي عقوبة سيئته ، إذ الزائد عليه فضل من الله عز وجل عليه خاصة . قوله : " فإن لم تكن له " أي : للظالم حسنات " أخذ من أصل سيئات أخيه فيحط عليه فيزاد في عقابه " قيل : ما التوفيق بينه وبين قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ؟ وأجيب بأنه لا تعارض بينهما لأنه إنما يعاقب بسبب ظلمه ، أو معناه : لا تزر باختياره وإرادته .