كتاب القدر
حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، حدثنا شعبة ، أنبأني سليمان الأعمش قال : سمعت زيد بن وهب ، عن عبد الله قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع : برزقه وأجله وشقي أو سعيد ، فوالله إن أحدكم - أو الرجل - يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع - أو ذراع - فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . وقال آدم : إلا ذراع . مطابقته للترجمة ظاهرة في معناه ، وزيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الكوفي من قضاعة ، خرج إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقبض النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في الطريق سمع عبد الله بن مسعود وغيره ، وهذا الحديث اشتهر عن الأعمش بالسند المذكور هنا ، قال علي بن المديني في كتاب العلل : كنا نظن أن الأعمش تفرد به حتى وجدناه من رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب ، وروايته عند أحمد والنسائي ولم ينفرد به زيد بن وهب أيضا عن ابن مسعود ، بل رواه عنه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عند أحمد ، وعلقمة عند أبي يعلى ، ولم ينفرد به ابن مسعود أيضا ، بل رواه جماعة من الصحابة مطولا ومختصرا منهم : أنس رضي الله تعالى عنه على ما يجيء عقيب هذا الحديث ، وحذيفة بن أسيد عند مسلم ، وعبد الله بن عمر في القدر لابن وهب ، وسهل بن سعد وسيأتي في هذا الكتاب ، وأبو هريرة عند مسلم ، وعائشة عند أحمد ، وأبو ذر عند الفريابي ، ومالك بن الحويرث عند أبي نعيم في الطب وغيرهم .
وهذا الحديث أخرجه البخاري في التوحيد عن آدم ، ومضى في بدء الخلق عن الحسن بن الربيع ، وفي خلق آدم عن عمر بن حفص ، وأخرجه مسلم في القدر عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه بقية الجماعة ، وقد ذكرناه في بدء الخلق ، ومضى الكلام فيه هناك ولا نقتصر عليه ، فقوله : أنبأني سليمان الأعمش ، وقال في التوحيد : حدثنا سليمان الأعمش ، ويفهم منه أن التحديث والإنباء عند شعبة سواء ، ويرد به على من زعم أن شعبة يستعمل الإنباء في الإجازة . قوله : وهو الصادق المصدوق أي : الصادق في نفسه ، والمصدوق من جهة غيره ، وقال الكرماني : لما كان مضمون الخبر مخالفا لما عليه الأطباء أراد الإشارة إلى صدقه وبطلان ما قالوه أو ذكره تلذذا وتبركا وافتخارا ، قال الأطباء : إنما يتصور الجنين فيما بين ثلاثين يوما إلى الأربعين ، والمفهوم من الحديث أن خلقه إنما يكون بعد أربعة أشهر انتهى ، وقال بعضهم : بعد أن نقل كلام الكرماني ما ملخصه أنه لم يعجبه ما قاله الكرماني حيث قال : وقد وقع هذا اللفظ بعينه في حديث آخر ليس فيه إشارة إلى بطلان شيء يخالف ما ذكره ، وهو ما ذكره أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة ، سمعت الصادق المصدوق يقوله : لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي ، ومضى في علامات النبوة من حديث أبي هريرة ، سمعت الصادق المصدوق يقول : هلاك أمتي على يد أغيلمة من قريش . انتهى .
قلت : هذا مجرد تحريش من غير طعم ، وهذه نكتة لطيفة ذكرها من وجهين ، فالوجه الثاني : يمشي في كل موضع فيه ذكر الصادق المصدوق . قوله : إن أحدكم قال أبو البقاء : لا يجوز أن ألا بالفتح لأنه مفعول حدثنا ، فلو كسر لكان منقطعا عن حدثنا ، قلت : لا يجوز إلا الكسر لأنه وقع بعد قوله : قال : إن أحدكم ، ولفظة قال موجودة في كثير من النسخ ، هكذا حدثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق ، قال : إن أحدكم وإن كانت لفظة قال غير مذكورة في الرواية فهي مقدرة فلا يتم المعنى إلا بها . قوله : إن أحدكم يجمع في بطن أمه كذا هو في رواية أبي ذر عن شيخه ، وله عن الكشميهني : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ، وكذا هو في رواية آدم في التوحيد ، وكذا في رواية الأكثرين عن الأعمش ، وفي رواية أبي الأحوص عنه : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ، وفي رواية ابن ماجه : إنه يجمع خلق أحدكم في بطن أمه ، والمراد من الجمع ضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار ، والخلق بمعنى المخلوق كقولهم : هذا درهم ضرب الأمير أي : مضروبه ، وقال القرطبي : ما ملخصه : أن المنى يقع في الرحم بقوة الشهوة المزعجة مبثوثا متفرقا فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم .
قوله : أربعين يوما زاد في رواية آدم : أو أربعين ليلة . قوله : ثم علقة مثل ذلك ، وفي رواية : آدم ثم يكون علقة مثل ذلك ، يعني مدة الأربعين ، والعلقة الدم الجامد الغليظ ، سميت بذلك للرطوبة التي فيها وتعلقها بما مر بها . قوله : ثم يكون مضغة مثل ذلك يعني مدة الأربعين ، والمضغة قطعة اللحم سميت بذلك لأنها بقدر ما يمضغ الماضغ .
قوله : ثم يبعث الله ملكا وفي رواية الكشميهني : ثم يبعث الله إليه ملكا ، وفي رواية مسلم : ثم يرسل الله ، وفي رواية آدم : ثم يبعث إليه الملك ، واللام فيه للعهد وهو الملك من الملائكة الموكلين بالأرحام . قوله : فيؤمر على صيغة المجهول أي : يأمره الله تعالى بأربعة أشياء ، وفي رواية آدم بأربع كلمات ، والمراد بها القضايا وكل كلمة تسمى قضية . قوله : بأربع كذا هو في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : بأربعة ، والمعدود إذا أبهم جاز التذكير والتأنيث .
قوله : برزقه بدل من أربع وما بعده عطف عليه داخل في حكمه ، والمراد برزقه قيل : الغداء حلالا أو حراما وهو كل ما ساقه الله تعالى إلى العبد لينتفع به وهو أعم لتناوله العلم ونحوه . قوله : وأجله الأجل يطلق لمعنيين لمدة العمر من أولها إلى آخرها وللجزء الأخير الذي يموت فيه . قوله : وشقي أو سعيد قال بعضهم : هو بالرفع خبر مبتدأ محذوف .
قلت : ليس كذلك لأنه معطوف على ما قبله الذي هو بدل عن أربع فيكون مجرورا لأن تقدير قوله : فيؤمر بأربع أربع كلمات كلمة تتعلق برزقه وكلمة تتعلق بأجله وكلمة تتعلق بسعادته أو شقاوته ، وكان من حق الظاهر أن يقال : يكتب سعادته وشقاوته ، فعدل عن ذلك حكاية بصورة ما يكتبه وهو أنه يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ، قيل : هذه ثلاثة أمور لا أربعة ، وأجيب بأن الرابع كونه ذكرا أو أنثى كما صرح في الحديث الذي بعده ، أو عمله كما تقدم في أول كتاب بدء الخلق ولعله لم يذكره لأنه يلزم من المذكور أو اختصره اعتمادا على شهرته ، وقيل : هذا يدل على أن الحكم بهذه الأمور بعد كونه مضغة لا أنه أزلي ، وأجيب بأن هذا للملك بأن المقضي في الأزل حتى يكتب على جبهته مثلا . قوله : أو الرجل شك من الراوي أي : أو أن الرجل ، وفي رواية آدم : فإن أحدكم بغير شك . قوله : بعمل أهل النار قدم النار على الجنة ، وفي رواية آدم بالعكس .
قوله : حتى ما يكون قال الطيبي : حتى هي الناصبة وما نافية ولم تكف عن العمل ، وتكون منصوبة بحتى ، وأجاز غيره أن تكون حتى ابتدائية ويكون على هذا بالرفع . قوله : غير باع أو ذراع هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : غير ذراع أو باع ، وفي رواية أبي الأحوص : إلا ذراع بغير شك ، والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت ، وضابط ذلك بالغرغرة التي جعلت علامة لعدم قبول التوبة . قوله : فيسبق عليه الكتاب الفاء في فيسبق للتعقيب يدل على حصول السبق بغير مهلة ، وضمن يسبق معنى يغلب أي : يغلب عليه الكتاب ، وما قدر عليه سبقا بلا مهلة فعند ذلك يعمل بعمل أهل الجنة وعمل أهل النار ، والمراد من الكتاب المكتوب أي : مكتوب الله أي القضاء الأزلي .
قوله : فيعمل بعمل أهل النار الباء فيه زائدة للتأكيد . قوله : أو ذراعين أي : أو غير ذراعين ، فهو شك من الراوي . قوله : وقال آدم إلا ذراع أي : قال آدم بن إياس : إلا ذراع ، هذا تعليق وصله البخاري في التوحيد - .