باب ميراث الجد مع الأب والإخوة
باب ميراث الجد مع الأب والإخوة أي هذا باب في بيان حكم ميراث الجد الذي من قبل الأب مع الأب والإخوة الأشقاء ومن الأب ، وقد انعقد الإجماع على أن الجد لا يرث مع وجود الأب . وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير : الجد أب . أي الجد الصحيح أب أي حكمه حكم الأب عند عدمه بالإجماع ، والجد الصحيح هو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميت أم ، وقد يطلق على الجد أب في قوله عز وجل : كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ والمخرج من الجنة آدم جدنا الأعلى ، فإذا أطلق على الجد الأعلى أب فإطلاقه على أب الأب بطريق الأولى ، فإذا كان أبا فله أحوال ثلاث : الفرض المطلق ، والفرض والتعصيب ، والتعصيب المحض .
فهو كالأب في جميع أحواله إلا في أربع مسائل ، فإنه لا يقوم مقام الأب فيها : الأولى : أن بني الأعيان والجدات كلهم يسقطون بالأب بالإجماع ولا يسقطون بالجد إلا عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه . الثانية : أن الأم مع أحد الزوجين والأب تأخذ ثلث ما يبقى ومع الجد تأخذ ثلث الجميع إلا عند أبي يوسف فإن عنده الجد كالأب فيه . والثالثة : أن أم الأب وإن علت تسقط بالأب ولا تسقط بالجد وإن علت .
الرابعة : أن المعتق إذا ترك أبا المعتق وابنه فسدس الولاء للأب ، والباقي للابن عند أبي يوسف ، وعندهما كله للابن ولو ترك ابن المعتق وجده فالولاء كله للابن بالاتفاق . وهذا هو شرح كلام هؤلاء الصحابة ولم أر أحدا من الشراح ذكر شيئا من ذلك ، وقال بعضهم : قوله : الجد أب أي هو أب حقيقة . قلت : لم يقل بذلك أحد ممن يميز بين الحقيقة والمجاز ، وأما قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه فوصله الدارمي بسند على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر جعل الجد أبا ، وأما قول ابن عباس فأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الفرائض من طريق عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : الجد أب ، وأما قول عبد الله بن الزبير فمضى في المناقب موصولا من طريق ابن أبي مليكة ، قال : كتب أهل الكوفة إلى ابن الزبير في الجد ، فقال : إن أبا بكر أنزله أبا .
وقرأ ابن عباس يا بني آدم وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ، ولم يذكر أن أحدا خالف أبا بكر في زمانه وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون . وقال ابن عباس : يرثني ابن ابني دون إخوتي ، ولا أرث أنا ابن ابني . أشار بقوله : وقرأ ابن عباس يا بني آدم إلى احتجاجه بأن الجد أب بقوله تعالى : يَا بَنِي آدَمَ وبقوله تعالى وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فإنه أطلق على هؤلاء الأب مع أنهم أجداد .
وروى سعيد بن منصور من طريق عطاء عن ابن عباس قال : الجد أب ، وقرأ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ الآية . قوله : ولم يذكر على صيغة المجهول ، قوله : خالف أبا بكر أي فيما قاله من الجد حكمه حكم الأب . قوله : وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الواو فيه للحال ، قوله : متوافرون أي فيهم كثرة وعدد وهو إجماع سكوتي ، وممن قال مثل قول ابن عباس معاذ ، وأبو الدرداء ، وأبو موسى ، وأبي بن كعب ، وأبو هريرة ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم .
ومن التابعين أيضا : عطاء ، وطاوس ، وشريح ، والشعبي . وقال أيضا من الفقهاء عثمان البتي ، وأبو حنيفة ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود والمزني ، وابن شريح . وذهب عمر ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود إلى توريث الإخوة مع الجد لكن اختلفوا في كيفية ذلك ، وموضعه كتب الفرائض .
قوله : وقال ابن عباس : يرثني إلى آخره ، أراد به الإنكار أي لم لا يرث الجد ؟ فيكون ردا على من حجب الجد بالإخوة أو معناه : فلم لا يرث الجد وحده دون الإخوة ؟ كما في العكس فهو رد على من قال بالشركة بينهما . وقال أبو عمر : وجه قياس ابن عباس أن ابن الابن لما كان كالابن عند عدم الابن ، كان أبو الأب عند عدم الأب كالأب . ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة .
ويذكر على صيغة المجهول إشارة إلى التمريض ، وقد ذكرنا الآن أنهم ذهبوا إلى توريث الإخوة مع الجد ولكن باختلاف بينهم في ذلك . وقول عمر : إنه كان يقاسم الجد مع الأخ والأخوين فإذا زادوا أعطاه الثلث وكان يعطيه مع الولد السدس ، رواه الدارمي من طريق عيسى الحناط عن الشعبي فذكره . وقول علي رضي الله تعالى عنه فرواه الشعبي كتب ابن عباس إلى علي يسأله عن ستة إخوة وجد ، فكتب إليه أن اجعله كأحدهم وامح كتابي .
وروى الحسن البصري أن عليا كان يشرك الجد مع الإخوة إلى السدس ، وله أقوال أخر ، وقول ابن مسعود روي في امرأة تركت زوجها وأمها وجدها وأخاها لأبيها أن للزوج ثلاثة أسهم النصف ، وللأم ثلث ما بقي وهو السدس من رأس المال ، وللأخ سهم ، وللجد سهم . وقول زيد بن ثابت : فرواه الدارمي من طريق الحسن البصري ، قال : كان زيد يشرك الجد مع الإخوة إلى الثلث ، وأخرج عبد الرزاق من طريق إبراهيم قال : كان زيد يشرك الجد مع الإخوة إلى الثلث ، فإذا بلغ الثلث أعطاه إياه ، وللإخوة ما بقي ويقاسم الأخ للأب ثم يرد على أخيه ويقاسم الإخوة من الأب مع الإخوة الأشقاء ولا يورث الإخوة للأب شيئا ، ولا يعطي أخا لأم مع الجد شيئا ، وله أقوال أخرى طوينا ذكرها طلبا للاختصار .