باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره
حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة أنه قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها ، وأن العقل على عصبتها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، وابن المسيب سعيد . والحديث ذكره أيضا في الديات عن عبد الله بن يوسف ، وأخرجه بقية الجماعة ما خلا ابن ماجه كلهم عن قتيبة ، فمسلم في الحدود ، والترمذي في الفرائض ، وأبو داود والنسائي في الديات .
وقال الترمذي : هذا الحديث رواه يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرسلا . قوله : في جنين امرأة قال البخاري في الديات : اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها . الحديث .
يقال : إن الضاربة يقال لها : أم عفيف بنت مسروج ، والمضروبة مليكة بنت عويم ، وقيل : عويمر براء . ذكره أبو عمر . وفي لفظ للبخاري : أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها .
الحديث . وهنا قال : إن المضروبة من بني لحيان ولا تخالف بينهما ، فإن لحيان بكسر اللام ، وقيل : بفتحها ، بطن من هذيل ، وهو لحيان بن هذيل بن مدركة . قال الجوهري : لحيان أبو قبيلة وضبطه بكسر اللام ، وفي رواية : هذلية وعامرية ، وفي إسنادها ابن أبي فروة وهو ضعيف ، وظاهرهما التعارض ، وفي الصحيح : أن إحداهما كانت ضرة الأخرى .
وفي رواية من طريق مجالد : وكل منهما تحت زوج ، ولا منافاة أيضا لاحتمال إرادة كونهما ليستا ضرتين ، وجاء أيضا أنها ضربتها بعمود فسطاط ، وجاء فحذفتها ، وجاء فدقت إحداهما الأخرى بحجر . ولا تخالف لاحتمال تكرر الفعل . قوله : سقط أي الجنين حال كونه ميتا ، قوله : بغرة متعلق بقوله : قضى ، قوله : عبد بالتنوين بيان لغرة ، ويروى بالإضافة أيضا .
قوله : أو أمة كلمة أو للتنويع وليست للشك . وعند أبي داود : فقضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جنينها بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل أو حمار ، والحديث معلول . وفي رواية لابن أبي شبيبة من حديث عطاء مرسلا أو بغل فقط وأخرى أو فرس من حديث هشام عن أبيه ، وقال به مجاهد وطاوس ، وفي الدارقطني من حديث معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن عمر قال : أو فرس ، وقال ابن سيرين : يجزئ مائة شاة ، وفي بعض طرق أبي داود : خمسمائة شاة ، وهو وهم ، وصوابه مائة شاة كما نبه عليه أبو داود ، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة من حديث حمل بن مالك : أو عشر من الإبل أو مائة شاة .
وقال البيهقي : ورواه أبو المليح أيضا عن أبيه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا أنه قال : أو عشرون ومائة شاة ، وإسناده ضعيف ، وروى وكيع عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي المليح الهذلي قال : كان تحت حمل بن مالك امرأتان امرأة من بني سعد وامرأة من بني لحيان ، فرمت السعدية اللحيانية فقتلتها وأسقطت غلاما ، فقضى صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة ، فقال عويمر أحد من قضى عليهم بالغرة : يا رسول الله ، لا غرة لي ، قال : فعشر من الإبل ، قال : يا رسول الله لا إبل لي ، قال : فعشرون ومائة من الشاة ليس فيها عوراء ولا فارض ولا عضباء ، قال : يا رسول الله فأعني بها من صدقة بني لحيان ، فقال لرجل : فأعنه بها . وروى عبد الرزاق ، عن أبي جابر البياضي وهو واه ، عن سعيد بن المسيب ، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جنين يقتل في بطن المرأة بغرة : في الذكر غلام وفي الأنثى جارية . وقال أبو عمر : الغرة معناها الأبيض فلا يؤخذ فيها الأسود ، وقال مالك : الحمران أحب إلي من السودان .
وقال الأبهري : يعني البيض ، فإن لم يكن عبيد تلك البلدة بيضا كان من السودان . وقال مالك : ويكون من أوسط عبيد تلك البلدة ، فإن كان أكثرهم الحمران فمن أوسطهم ، وإن كان السودان فمن أوسطهم . وقال مالك : هو عبد أو وليدة .
قوله : بأن ميراثها أي ميراث هذه المرأة المقتولة لبنيها وزوجها ، وقال أبو عمر : جمهور الناس على الميراث في هذه الغرة للورثة والعقل على العصبة . واختلفوا على من تجب الغرة ، فقالت طائفة منهم مالك والحسن بن حي : هي في مال الجاني ثم الكفارة ، وهو قول الحسن والشعبي ، وروي ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وبه جزم إبراهيم وعطاء والحكم . وقال آخرون : هي على العاقلة ، وممن قاله الثوري والنخعي وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول ابن سيرين وإبراهيم في رواية ، وحجتهم حديث المغيرة الذي فيه : وجعل الغرة على عاقلة المرأة .
وقال أبو عمر : وهو نص ثابت صحيح في موضع الخلاف يجب الحكم به . واختلفوا في قيمة الغرة ، فقال مالك : تقوم بخمسين دينارا أو بستمائة درهم نصف عشر دية الحر المسلم الذكر وعشر دية الحرة . وهو قول الزهري وربيعة وسائر أهل المدينة .
وقال أبو حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين : قيمتها خمسمائة درهم ، وهو قول إبراهيم والشعبي . واختلفوا في صفة الجنين الذي تجب فيه الغرة ما هي ، فقال مالك : ما طرحته من مضغة أو علقة أو ما علم أنه ولد ففيه الغرة ، فإن سقط ولم يستهل ففيه غرة ، وسواء تحرك أو عطس ففيه الغرة أيضا حتى يستهل ففيه الدية كاملة . وقال الشافعي : لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه شيء فإن علمت حياته بحركة أو بعطاس أو باستهلال أو بغير ذلك مما يستيقن به حياته ثم مات ففيه الدية .
وقال ابن عبد البر : وهو قول سائر الفقهاء ، وأجمع الفقهاء على أن الجنين إذا خرج ثم مات كانت فيه الدية والكفارة معها . فقال مالك : بقسامة ، وقال أبو حنيفة : بدونها ، واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا ، فقال مالك : فيه الغرة والكفارة . وقال أبو حنيفة والشافعي : ففيه الغرة ولا كفارة ، وبه قال داود .
قوله : وإن العقل على عصبتها العقل الدية ، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول أي شدها في عقالها ليسلمها إليهم ويقبضوها منه ، فسميت الدية عقلا بالمصدر ، يقال : عقل البعير يعقله عقلا وجمعه عقول ، والعصبة الأقارب من جهة الأب لأنهم يعصبونه ويعتصب بهم ، أي يحيطون به ويشد بهم .