باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو حق
حدثني محمد بن عبد الله ، حدثنا عاصم بن علي ، حدثنا عاصم بن محمد ، عن واقد بن محمد ، سمعت أبي قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا شهرنا هذا ، قال : ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا بلدنا هذا ، قال : ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا يومنا هذا ، قال فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ، ألا هل بلغت ثلاثا ، كل ذلك يجيبونه : ألا نعم ، قال : ويحكم أو ويلكم : لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : فإن الله تعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم ، بيان ذلك أن دم المؤمن وماله وعرضه حمى للمؤمن ، ولا يحل لأحد أن يستبيحه إلا بحق . وشيخ البخاري محمد بن عبد الله قال الحاكم : محمد بن عبد الله هذا هو الذهلي .
قلت : هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب أبو عبد الله الذهلي النيسابوري ، روى عنه البخاري في الصوم والطب والجنائز والعتق وغيرها في قريب من ثلاثين موضعا ، ولم يقل : محمد بن يحيى الذهلي مصرحا ، ويقول : حدثنا محمد ، ولا يزيد عليه ، وربما يقول محمد بن عبد الله ينسبه إلى جده ، ويقول : محمد بن خالد ينسبه إلى جد أبيه قوله : حدثني محمد بن عبد الله هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر ، حدثنا بنون الجمع ، وعاصم بن علي بن عاصم بن صهيب أبو الحسين مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه القرشي من أهل واسط ، وهو أحد مشايخ البخاري ، روى عنه في الصلاة ومواضع بغير واسطة ، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين ، وعاصم الثاني هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي ، يروي عن أخيه واقد بن محمد بن زيد ، يروي عن أبيه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ، وعبد الله هو ابن عمر بن الخطاب جد الراوي . والحديث مضى في الحج في باب الخطبة أيام منى ؛ فإنه أخرجه هناك عن محمد بن المثنى عن يزيد بن هارون عن عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر إلخ ، وأخرجه في مواضع كثيرة ذكرناه هناك ومضى الكلام فيه أيضا . قوله : ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام تزاد في أول الكلام للتنبيه لما يقال ، وقد ذكرت هنا سؤالا وجوابا ، قوله : أي شهر قال ابن التين : أي هنا مرفوعة ، ويجوز نصبها ، والاختيار الرفع ، قوله : يومنا هذا يعني يوم النحر قيل : صح أن أفضل الأيام يوم عرفة ، وأجيب بأن المراد باليوم وقت أداء المناسك ، وهما في حكم شيء واحد ، قوله : ثلاثا أي ، قاله ثلاث مرات قوله : أو ويلكم شك من الراوي ، وويحكم كلمة رحمة ، وويلكم كلمة عذاب ، قوله : لا ترجعن بضم العين وبالنون الثقيلة خطاب للجماعة ، ويروى : لا ترجعوا ، وكذا في رواية مسلم قوله : بعدي قال الطبري : معناه بعد فراقي من موقفي ، وكان يوم النحر في حجة الوداع ، أو يكون بعدي بمعنى خلافي ، أي لا تخلفوا في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به ، أو يكون تحقق عليه السلام أن هذا لا يكون في حياته ، فنهاهم عنه بعد مماته قوله : كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، وفي معناه سبعة أقوال : أحدها أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق ، والثاني أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام ، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه ، والرابع أنه فعل كفعل الكفار ، والخامس المراد حقيقة الكفر ، ومعناه : لا تكفروا ، بل دوموا مسلمين .
والسادس حكاه الخطابي وغيره : المراد المتكفرون بالسلاح ، وقال الأزهري : يقال للابس السلاح : كافر ، والسابع معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا ، وأظهر الأقوال القول الرابع ، قاله النووي ، واختاره القاضي عياض ، قوله : يضرب بضم الباء ، كذا رواه المتقدمون والمتأخرون ، وبه يصح المقصود هنا ، وحكى عياض عن بعضهم ضبطه بإسكان الباء ، وكذا قاله أبو البقاء العكبري ، على تقدير شرط مضمر ، أي أن ترجعوا يضرب وصوب عياض والنووي الأول .