باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله
حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم ، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه ، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله ، فينتقم لله . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : والله ما انتقم لنفسه أي ما عاقب أحدا على مكروه أتاه من قبله . وأخرج الحديث عن يحيى بن عبد الله بن بكير المصري عن الليث بن سعد عن عقيل بضم العين ابن خالد ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير .. .
إلخ ، ومضى في باب صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن ابن شهاب عن عروة .. . إلخ . قوله : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن بطال : هذا التخيير ليس من الله ؛ لأن الله لا يخير رسوله بين أمرين أحدهما إثم إلا إن كان في الدين أحدهما يؤول إلى الإثم ، كالغلو ؛ فإنه مذموم كما لو أوجب على نفسه شيئا شاقا من العبادة ، فيعجز عنه ، ومن ثمة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الترهب ، وقال ابن التين : المراد التخير في أمر الدنيا ، وأما أمر الآخرة فكل ما صعب كان أعظم ثوابا ، وقال الكرماني رحمه الله : إن كان التخيير من الكفار فظاهر ، وإن كان من الله والمسلمين فمعناه ما لم يؤده إلى إثم كالتخيير في المجاهدة والاقتصاد فيها ، فإن المجاهدة بحيث تنجر إلى الهلاك لا تجوز .
قوله : ما لم يأثم ، وفي رواية المستملي : ما لم يكن إثم . قوله : كان أبعدهما منه أي كان الإثم أبعد الأمرين من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : يؤتى على صيغة المجهول .
قوله : حتى تنتهك على صيغة المجهول بالنصب ، قوله : فينتقم يجوز فيه النصب والرفع ، فالنصب عطف على تنتهك والرفع على تقدير فهو ينتقم لله .