حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب القسامة

حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سعيد بن عبيد ، عن بشير بن يسار زعم أن رجلا من الأنصار يقال له : سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ، ووجدوا أحدهم قتيلا ، وقالوا للذي وجد فيهم : قتلتم صاحبنا ؟ قالوا : ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، انطلقنا إلى خيبر ، فوجدنا أحدنا قتيلا فقال : الكبر الكبر ، فقال لهم : تأتون بالبينة على من قتله ؟ قالوا : ما لنا بينة ، قال : فيحلفون ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه ، فوداه مائة من إبل الصدقة . أي ذكر البخاري هذا الحديث مطابقا لما قبله في عدم القود في القسامة ، وأن الحكم فيها مقصور على البينة ، واليمين كما في حديث الأشعث . وأخرجه عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن سعيد بن عبيد أبي الهذيل الطائي الكوفي ، عن بشير بضم الباء الموحدة ، وفتح الشين المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالراء ابن يسار بفتح الياء آخر الحروف ، وتخفيف السين المهملة ، وبالراء المدني مولى الأنصار ، وقال ابن سعد : كان شيخا كبيرا فقيها أدرك عامة الصحابة ، ووثقه يحيى بن معين ، والنسائي ، وكناه محمد بن إسحاق أبا كيسان ، وهو يروي عن سهل بن أبي حثمة بفتح الحاء المهملة ، وسكون الثاء المثلثة ، وقال الحافظ المزي : هو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة بفتح الحاء المهملة والثاء المثلثة ، واسمه عامر بن ساعدة الأنصاري ، وكنيته أبو يحيى ، وقيل : أبو محمد ، والحديث مضى في الصلح ، وفي الجزية عن مسدد ، وفي الأدب عن سليمان بن حرب ، وأخرجه بقية الجماعة ، وقد ذكرناه ، وأخرجه الطحاوي من أربع طرق صحاح ، الأول : قال حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، سمع بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة قال : وجد عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل ، وعماه حويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فذهب عبد الرحمن ليتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الكبر الكبر ، ليتكلم أحد عميه إما حويصة ، وإما محيصة ، فتكلم الكبير منهما ، فقال : يا رسول الله ، إنا وجدنا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر ، وذكر عداوة اليهود لهم قال : أفتبرئكم اليهود بخمسين يمينا أنهم لم يقتلوه قال : فقلت : وكيف نرضى بأيمانهم وهم مشركون ؟ قال : فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه ، قالوا : كيف نقسم على ما لم نره ، فوداه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عنده ، وإنما ذكرنا هذا لأنه كالشرح لحديث الباب .

قوله : زعم أي قال ، وليس في رواية ابن نمير زعم بل عنده عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره ، قوله : أن نفرا بفتح النون والفاء وهو رهط الإنسان وعشيرته وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ، ولا واحد له من لفظه ، وقد بين الطحاوي هؤلاء النفر ، وهم عبد الرحمن بن سهل ، وعماه حويصة ومحيصة ، قوله : ووجدوا أحدهم ، وهو عبد الله بن سهل ، قوله : وقالوا للذي وجد فيهم أي للذين وجد فيهم ، وهذا مثل قوله تعالى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا قوله : الكبر الكبر بضم الكاف فيهما ، وبالنصب فيهما على الإغراء ، وقال الكرماني : الكبر بضم الكاف مصدر أو جمع الأكبر أو مفرد بمعنى الأكبر ، يقال : هو كبرهم أي أكبرهم ، ويروى : الكبر بكسر الكاف ، وفتح الباء ، أي كبير السن ، أي قدموا الأكبر سنا في الكلام ، قوله : أن يبطل بضم الياء من الإبطال ، ويجوز فتحها من البطلان ، قوله : فوداه مائة ، وفي رواية الكشميهني بمائة ، بزيادة حرف الباء ، قوله : من إبل الصدقة ، وزعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد من عنده ، ووفق قوم بين الروايتين بأنه يحتمل أنه كان اشتراه من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده أي من بيت المال المرصد للمصالح ، وأطلق عليه الصدقة باعتبار الانتفاع به مجانا لما في ذلك من قطع المنازعة ، وإصلاح ذات البين . وهذا الحديث مشتمل على أحكام . الأول : فيه مشروعية القسامة في الدم وهو أمر كان في الجاهلية فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ، وتوقفت طائفة عن الحكم بالقسامة ، روي ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر ، وأبي قلابة ، وعمر بن عبد العزيز ، والحكم بن عتيبة ، وقد ذكرنا بعض ذلك ، الثاني : أن القوم إذا اشتركوا في معنى من معان الدعوى وغيرها كان أولاهم أن يبدأ بالكلام أكبرهم ، الثالث : فيه جواز الوكالة في المطالبة بالحدود ، الرابع : فيه جواز وكالة الحاضر لأن ولي الدم فيه هو عبد الرحمن بن سهل أخو القتيل ، وحويصة ومحيصة ابنا عمه ، الخامس : فيه كيفية القسامة الواجبة فيه ، وقد اختلفوا فيها ، فقال يحيى بن سعيد ، وأبو الزناد ، وربيعة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، والليث بن سعد : يستحلف المدعون بالدم ، فإذا حلفوا استحقوا ما ادعوا ، وهذا في القسامة خاصة ، وهو يخص قوله صلى الله عليه وسلم : البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ، لما روى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر إلا في القسامة ، وقال البيهقي : هذا الحديث مخصوص بما أخبرنا علي بن بشير ، أخبرنا علي بن محمد المصري ، حدثنا عبدة بن سليمان ، حدثنا مطرف بن عبد الله ، حدثنا الزنجي ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر إلا في القسامة ، وقال عثمان البتي ، والحسن بن صالح ، وسفيان الثوري ، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى ، وعبد الله بن شبرمة ، وعامر الشعبي ، وإبراهيم النخعي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد رحمهم الله يبدأ بأيمان المدعى عليهم ، فيحلفون ثم يغرمون الدية ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .

وأجابوا عن حديث عمرو بن شعيب بأنه معلول من خمسة وجوه ، الأول : أن الزنجي هو مسلم بن خالد شيخ الشافعي ضعيف ، كذا قال البيهقي نفسه في سننه في باب من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل ، وقال ابن المديني : ليس بشيء ، وقال أبو زرعة ، والبخاري : منكر الحديث ، الثاني : أن ابن جريج لم يسمع من عمرو حكاه البيهقي أيضا في سننه في باب وجوب الفطرة على أهل البادية ، عن البخاري : أن ابن جريج لم يسمع من عمرو ، الثالث : الاحتجاج بعمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مختلف فيه ، الرابع : أن الزنجي مع ضعفه خالفه عبد الرزاق ، وحجاج ، وقتادة ، فرووه عن ابن جريج ، عن عمرو مرسلا كذا ذكره الدارقطني في سننه ، الخامس : أن الزنجي اختلف عليه فيه ، قال الذهبي : قال عثمان بن محمد بن عثمان الرازي : حدثنا مسلم بن خالد الزنجي ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة . السادس : من الأحكام فيه أن القتيل إذا وجد في المحلة فالقسامة والدية على أهل المحلة . وقال أبو عمر : ما نعلم في شيء من الأحكام المروية عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الاضطراب والتضاد ما في هذه القضية ، فإن الآثار فيها متضادة متدافعة ، وهي قضية واحدة ، وذكر أبو القاسم البلخي في معرفة الرجال عن ابن إسحاق قال : سمعت عمرو بن شعيب يحلف في المسجد الحرام : والله الذي لا إله إلا هو إن حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة ليس كما حدث ، ولقد وهم ، وقال أبو عمر : وقد خطأ جماعة من أهل الحديث حديث سعيد بن عبيد ، وذموا البخاري في تخريجه ، وتركه رواية يحيى بن سعيد ، قال الأصيلي : أسنده عن يحيى شعبة ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الوهاب الثقفي ، وعيسى بن حماد ، وبشر بن المفضل ، وهؤلاء ستة نفر أسندوه ، وأرسله مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، ولم يذكر سهل بن أبي حثمة ، وقال الأثرم : قال أحمد : الذي أذهب إليه في القسامة حديث بشير من رواية يحيى فقد وصله عنه حفاظ ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد ، وقال النسائي : لا أعلم أحدا تابع سعيد بن عبيد على روايته عن بشير ، وقال صاحب التوضيح : قد ذكره الدارقطني من حديث حبيب بن أبي ثابت ، عن بشير مثله .

قلت : حديث يحيى بن سعيد رواه مسلم من طرق عديدة منها ما رواه وقال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة قال يحيى : وحسبت قال : وعن رافع بن خديج أنهما قالا : خرج عبد الله بن سهل بن زيد ، ومحيصة بن مسعود بن زيد حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك ، ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلا فدفنه ، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو وحويصة بن مسعود ، وعبد الرحمن بن سهل ، وكان أصغر القوم ، فذهب عبد الرحمن ليتكلم قبل صاحبه فقال له رسول صلى الله تعالى عليه وسلم : كبر ، الكبر في السن ، فصمت وتكلم صاحباه ، وتكلم معهما ، فذكروا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل فقال لهم : أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم ، قالوا : كيف نحلف ، ولم نشهد ؟ قال : فتبرئكم يهود بخمسين يمينا ؟ قالوا : وكيف نقبل أيمان كفار ؟ فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عقله .

ورد في أحاديث7 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث