حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب المعدن جبار والبئر جبار

حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار ، وفي الركاز الخمس مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة بعض الحديث وهذا الحديث أخرجه بقية الأئمة الستة ، فمسلم عن يحيى بن يحيى وغيره ، وأبو داود عن مسدد ، والترمذي عن أحمد بن منيع ، والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ببعضه ، وعن هشام بن عمار ومحمد بن ميمون بباقيه ، وكلهم قالوا فيه عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ، وهكذا قال الإمام مالك بن أنس ، وخالفهم يونس بن يزيد فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلاهما عن أبي هريرة ، رواه كذلك مسلم والنسائي وقول الليث ومالك أصح ، ويجوز أن يكون ابن شهاب الزهري سمعه من الثلاثة جميعا . قوله العجماء مبتدأ وقوله : جرحها بدل منه وخبره . قوله : جبار والجرح هنا بفتح الجيم مصدر والجرح بالضم اسم ، قال القاضي : إنما عبر بالجرح لأنه الأغلب ، أو هو مثال منه على ما عداه ، وأما الرواية التي لم يذكر فيها لفظ الجرح فمعناه إتلاف العجماء بأي وجه كان بجرح أو غيره ، جبار أي هدر لا شيء فيه ، والعجماء تأنيث الأعجم ، وهي البهيمة ، وقال الترمذي : فسره بعض أهل العلم فقالوا : العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها ، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها انتهى ، واحتج به أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على أنه لا ضمان فيما أتلفته البهائم مطلقا سواء فيه الجرح وغيره ، وسواء فيه الليل والنهار ، وسواء كان معها أو لا إلا أن يحملها الذي معها على الإتلاف أو يقصده فحينئذ يضمن لوجود التعدي منه ، وهو قول داود وأهل الظاهر ، وقال مالك والشافعي وأحمد إن كان معها أحد من مالك أو مستأجر أو مستعير أو مودع أو وكيل أو غاصب أو غيرهم وجب عليه ضمان ما أتلفته ، وحملوا الحديث على ما إذ لم يكن معها أحد فأتلفت شيئا بالنهار أو انفلتت بالليل بغير تفريط من مالكها فأتلفت شيئا ، وليس معها أحد ، وأجاب أصحاب أبي حنيفة بأن الحديث مطلق عام ، فوجب العمل بعمومه ، وأما التعدي فخارج عنه .

قوله : والبئر جبار قد مر تفسيره آنفا ، وفي رواية مسلم : والبئر جرحها جبار ، والمراد بجرحها ما يحصل للواقع فيها من الجراحة ، وقال ابن العربي : اتفقت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر ، وجاءت رواية شاذة بلفظ النار جبار بنون وألف ساكنة قبل الراء ، ومعناه عندهم أن من استوقد نارا مما يجوز له فتعدت حتى أتلفت شيئا فلا ضمان عليه قال : وقال بعضهم صحفها بعضهم لأن أهل اليمن يكتبون النار بالياء لا بالألف ، فظن بعضهم البئر بالباء الموحدة النار بالنون فرواها كذلك . قوله : والمعدن جبار قد مر تفسيره . قوله : وفي الركاز الخمس بكسر الراء ، وهو ما وجد من دفن الجاهلية مما تجب فيه الزكاة من ذهب أو فضة ، أي مقدار ما تجب فيه الزكاة ، وهو النصاب ، فإنه يجب فيه الخمس على سبيل الزكاة الواجبة كذا قال شيخنا في شرح الترمذي ، ثم قال : هذا عند جمهور العلماء ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد ، وفيه حجة على أبي حنيفة وغيره من العراقيين حيث قالوا : الركاز هو المعدن ، وجعلوهما لفظين مترادفين ، وقد عطف الشارع أحدهما على الآخر ، وذكر لهذا حكما غير الحكم الذي ذكره في الأول .

انتهى . قلت : المعدن هو الركاز ، فلما أراد أن يذكر له حكما آخر ذكره بالاسم الآخر ، وهو الركاز ، ولو قال : وفيه الخمس بدون أن يقول ، وفي الركاز الخمس لحصل الالتباس باحتمال عود الضمير إلى البئر ، وقد أورد أبو عمر في التمهيد عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن عبد الله بن عمر ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كنز وجده رجل : إن كنت وجدته في قرية مسكونة أو في غير سبيل أو في سبيل ميتاء فعرفه ، وإن كنت وجدته في خربة جاهلية أو في قرية غير مسكونة أو في غير سبيل ميتاء ففيه وفي الركاز الخمس ، وقال القاضي عياض : وعطف الركاز على الكنز دليل على أن الركاز غير الكنز ، وأنه المعدن كما يقوله أهل العراق ، فهو حجة لمخالف الشافعي ، وقال الخطابي : الركاز وجهان فالمال الذي يوجد مدفونا لا يعلم له مالك ركاز وعروق الذهب والفضة ركاز قلت : وعن هذا قال صاحب الهداية : الركاز يطلق على المعدن وعلى المال المدفون ، وقال أبو عبيد الهروي : اختلف في تفسير الركاز أهل العراق وأهل الحجاز فقال أهل العراق : هي المعادن ، وقال أهل الحجاز : هي كنوز أهل الجاهلية ، وكل محتمل في اللغة ، والأصل فيه قولهم ركز في الأرض إذا ثبت أصله .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث