باب حكم المرتد والمرتدة
حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال : أتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه . مطابقته للترجمة في قوله : من بدل دينه فاقتلوه ، والذي يبدل دينه هو المرتد . وأيوب هو السختياني ، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس .
والحديث مضى في الجهاد عن علي بن عبد الله ، ومر الكلام فيه . قوله أتي على صيغة المجهول . قوله : بزنادقة جمع زنديق بكسر الزاي فارسي معرب ، وقال سيبويه : الهاء في زنادقة بدل من ياء زنديق ، وقد تزندق والاسم الزندقة ، واختلف في تفسيره فقيل هو المبطن للكفر المظهر للإسلام كالمنافق ، وقيل قوم من الثنوية القائلين بالخالقين ، وقيل : من لا دين له ، وقيل هو من تبع كتاب زردشت المسمى بالزند ، وقيل : هم طائفة من الروافض تدعى السبائية ادعوا أن عليا رضي الله تعالى عنه إله ، وكان رئيسهم عبد الله بن سبأ بفتح السين المهملة وتخفيف الباء الموحدة ، وكان أصله يهوديا .
قوله : فأحرقهم قد مضى في كتاب الجهاد في باب لا يعذب بعذاب الله من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند أن عليا رضي الله عنه حرق قوما ، وروى الحميدي عن سفيان بلفظ : حرق المرتدين ، وروى ابن أبي شيبة : كان أناس يعبدون الأصنام في السر ، وروى الطبراني في الأوسط من طريق سويد بن غفلة أن عليا رضي الله تعالى عنه بلغه أن قوما ارتدوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا فحفروا حفيرة ، ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ، ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ، ثم قال : صدق الله ورسوله ، وروى الإسماعيلي حديث عكرمة ولفظه أن عليا أتي بقوم قد ارتدوا عن الإسلام ، أو قال بزنادقة ومعهم كتب لهم فأمر بنار فأنضجت ، ورماهم فيها ، وروي عن قتادة أن عليا أتي بناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم ، فقال ابن عباس الحديث . قوله : فبلغ ذلك ابن عباس أي بلغ ما فعله علي من الإحراق بالنار ، وكان ابن عباس حينئذ أميرا على البصرة من قبل علي رضي الله تعالى عنه . قوله : لنهي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تعذبوا بعذاب الله أي لنهيه عن القتل بالنار بقوله لا تعذبوا ، وهذا يحتمل أن يكون ابن عباس قد سمعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون قد سمعه من بعض الصحابة ، واختلف في الزنديق هل يستتاب ؟ فقال مالك والليث وأحمد وإسحاق : يقتل ولا تقبل توبته ، وقول أبو حنيفة وأبي يوسف مختلف فيه ، فمرة قالا بالاستتابة ومرة قالا : لا .
قلت : روي عن أبي حنيفة أنه قال : إن أتيت بزنديق أستتيبه فإن تاب وإلا قتلته ، وقال الشافعي : يستتاب كالمرتد ، وهو قول عبد الله بن الحسن ، وذكر ابن المنذر عن علي رضي الله تعالى عنه مثله ، وقيل لمالك : لم تقتله ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقتل المنافقين وقد عرفهم فقال: لأن توبته لا تعرف ، وقال ابن الطلاع في أحكامه : لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قتل مرتدا ولا زنديقا ، وقتل الصديق امرأة يقال لها أم قرفة ارتدت بعد إسلامها .