كتاب الإكراه
وقال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنية . هذا الحديث قد مضى في أول الكتاب مطولا موصولا ، وقد بينا هناك اختلاف لفظ العمل ، ثم وجه إيراد هذا الحديث هنا الإشارة إلى الرد على من فرق في الإكراه بين القول والفعل ، وهو مذهب الظاهرية ، فإنهم فرقوا بينهما قال ابن حزم : الإكراه قسمان إكراه على كلام وإكراه على فعل ، فالأول لا يجب به شيء كالكفر والقذف والإقرار بالنكاح والرجعة والطلاق والبيع والابتياع والنذور والأيمان والعتق والهبة وغير ذلك ، والثاني على قسمين : أحدهما ما تبيحه الضرورة ، كالأكل والشرب ، فهذا يبيحه الإكراه ، فمن أكره على شيء من ذلك فلا يلزمه شيء لأنه أتى مباحا له إتيانه ، والآخر ما لا تبيحه كالقتل والجراح والضرب وإفساد الأموال ، فهذا لا يبيحه الإكراه ، فمن أكره على شيء من ذلك لزمه ، وفي التوضيح ، وقالت طائفة : الإكراه في القول والفعل سواء إذا أسر الإيمان ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وهو قول مكحول ومالك وطائفة من أهل العراق . ثم وجه الاستدلال بالحديث المذكور على التسوية بين القول والفعل ، وهو الذي عليه الجمهور هو أن العمل يتناول فعل الجوارح والقلوب والأقوال .
فإن قلت : إذا كان كذلك يحتاج كل فعل إلى نية والمكره لا نية له فلا يؤاخذ . قلت : له نية ، وهي نية عدم الفعل الذي أكره عليه ، فإن قلت ينبغي على هذا أن لا يؤاخذ الناس والمخطئ في الطلاق والعتاق ونحوهما ؛ لأنه لا نية لهما . قلت : بل يؤاخذ فيصح طلاقه ، حتى لو قال : اسقني فجرى على لسانه : أنت طالق وقع الطلاق ؛ لأن القصد أمر باطني لا يوقف عليه ، فلا يتعلق الحكم لوجود حقيقته بل يتعلق بالسبب الظاهر الدال ، وهو أهليته ، والقصد بالبلوغ والعقل .
فإن قلت ينبغي على هذا أن يقع طلاق النائم . قلت : المانع هو قوله عليه السلام : رفع القلم عن ثلاث .