باب الخضر في المنام والروضة الخضراء
حدثني عبد الله بن محمد الجعفي ، حدثنا حرمي بن عمارة ، حدثنا قرة بن خالد ، عن محمد بن سيرين ، قال : قال قيس بن عباد : كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر ، فمر عبد الله بن سلام ، فقالوا : هذا رجل من أهل الجنة ، فقلت له : إنهم قالوا كذا وكذا ، فقال : سبحان الله ! ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم ، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء ، فنصب فيها وفي رأسها عروة وفي أسفلها منصف والمنصف الوصيف ، فقيل : ارقه ، فرقيت حتى أخذت بالعروة فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى . مطابقته للجزء الثاني من الترجمة في قوله ( في روضة خضراء ) . وعبد الله بن محمد هو المعروف بالمسندي ، والجعفي بضم الجيم وسكون العين المهملة وبالفاء نسبة إلى جعف بن سعد العشيرة من مذحج .
وقال الجوهري : أبو قبيلة من اليمن ، والنسبة إليه كذلك . وحرمي بفتح الحاء المهملة والراء وبالميم وياء النسبة ، وهو اسم بلفظ النسب ، وعمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم ، وقرة بضم القاف وتشديد الراء ابن خالد السدوسي ، وقيس بن عباد بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة البصري التابعي الثقة الكبير له إدراك ، قدم المدينة خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، ووهم من عده من الصحابة . وقد مضى ذكره في مناقب عبد الله بن سلام بهذا الحديث ، ومضى له حديث آخر في تفسير سورة الحج وغزوة بدر أيضا ، وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين .
قوله ( في حلقة ) بسكون اللام ، ويجمع على حلق بكسر الحاء كقصعة وقصع . وقال الجوهري : جمع الحلقة حلق بفتح الحاء على غير قياس . قوله ( فيها سعد بن مالك ) هو سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه .
قوله ( هذا رجل من أهل الجنة ) إنما قالوا ذلك لأنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه لا يزال متمسكا بالإسلام حتى يموت . قوله ( فقلت له ) أي : لعبد الله بن سلام ، والقائل هو قيس بن عباد . قوله ( فقال : سبحان الله ) أي : فقال عبد الله بن سلام : سبحان الله للتعجب ، إنما أنكر عبد الله عليهم للتواضع وكراهة أن يشار إليه بالأصابع فيدخله العجب ، قال الكرماني : الأولى أن يقال إنما قاله لأنهم لم يسمعوا ذلك صريحا ، بل قالوه استدلالا واجتهادا فهو في مشيئة الله تعالى .
قوله ( إنما رأيت ) . إلخ ، التئام هذا الكلام بما قبله هو أنه لما أنكر عليهم ما قالوه ذكر المنام المذكور ، فهذا يدل على أنه إنما أنكر عليهم الجزم ولم ينكر أصل الإخبار بأنه من أهل الجنة ، وهكذا يكون شأن المراقبين الخائفين المتواضعين . قوله ( كأنما عمود وضع في روضة خضراء ) ، وفي رواية ابن عون : في وسط الروضة ، ولم يذكر وصف الروضة هنا .
ومضى في المناقب من رواية ابن عون : رأيت كأني في روضة . ذكر من سعتها وخضرتها . وقال الكرماني : يحتمل أن يراد بالروضة جميع ما يتعلق بالدين ، وبالعمود الأركان الخمسة ، وبالعروة الوثقى الدين .
وفي التوضيح : والعمود دال على كل ما يعتمد عليه كالقرآن والسنن والفقه في الدين ، ومكان العمود وصفات المنام تدل على تأويل الأمر وحقيقة التعبير ، وكذلك العروة الإسلام والتوحيد ، وهي العروة الوثقى . قال تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فأخبر الشارع بأن ابن سلام يموت على الإيمان ، ولما في هذه الرؤيا من شواهد ذلك حكم له الصحابة بالجنة بحكم الشارع بموته على الإسلام . وقال الداودي : قالوا : لأنه كان بدريا ، وفيه القطع بأن كل من مات على الإسلام والتوحيد لله دخل الجنة ، وإن نالت بعضهم عقوبات .
قوله ( فنصب فيها ) أي : العمود نصب في الروضة ، ونصب بضم النون وكسر الصاد المهملة من النصب ، وهو ضد الخفض . وفي المطالع وفي رواية العذري : انتصب ، والأول هو الصواب . وقال الكرماني : ويروى ( نيص ) من ناص بالمكان ، أي : أقام فيه ، وهو بالنون في أوله ، وفي رواية المستملي والكشميهني : قبضت ، بفتح القاف والباء الموحدة وسكون الضاد المعجمة وبتاء الخطاب .
وقال الكرماني : ويروى ( قبضت ) بلفظ مجهول القبض ، وهو بإعجام الضاد . قوله ( وفي رأسها ) أي : وفي رأس العمود ، وإنما أنث الضمير لأن العمود إما مؤنث سماعي وإما باعتبار معنى العمدة ، وقيل : المراد منه عمودة ، وحيث استوى فيه التذكير والتأنيث لم تلحقه التاء . قوله ( منصف ) بكسر الميم ، وهو الوصيف بالصاد المهملة ، أي : الخادم وقد فسره في الحديث بقوله ( والمنصف الوصيف ) ، وهو مدرج تفسير ابن سيرين .
وقال ابن التين : روينا ( منصف ) بفتح الميم . وقال الهروي : يقال : نصفت الرجل أنصفه نصافة إذا خدمته ، والمنصف الخادم ، والمراد هنا بالوصيف عون الله له . قوله ( فقيل : ارقه ) أي : قيل لعبد الله بن سلام : ارقه ، وهو أمر من رقي يرقى من باب علم يعلم إذا صعد ، ومصدره رقي .
قوله ( فرقيت ) بكسر القاف على الأفصح . قوله ( حتى أخذت بالعروة ) ، وتقدم في المناقب : فرقيت حتى كنت في أعلاها ، فأخذت بالعروة فاستمسكت فاستيقظت ، وإنها لفي يدي . ووقع في رواية خرشة عند مسلم : حتى أتى بي عمودا رأسه في السماء ، وأسفله في الأرض ، في أعلاه حلقة ، فقال لي : اصعد فوق هذا ، قال : قلت : كيف أصعد ؟ فأخذ بيدي فزجل بي ( بزاي وجيم ) ، أي : رفعني ، فإذا أنا متعلق بالحلقة ، ثم ضرب العمود فخر وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت .
قوله ( فقصصتها ) أي : الرؤيا ، والباقي ظاهر .