باب القصر في المنام
حدثنا سعيد بن عفير ، حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ، قال : بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر ، قلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر بن الخطاب ، فذكرت غيرته فوليت مدبرا . قال أبو هريرة : فبكى عمر بن الخطاب ، ثم قال : أعليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله أغار . مطابقته للترجمة ظاهرة ورجاله قد ذكروا عن قريب ، والحديث مضى في صفة الجنة ، وفي فضائل عمر رضي الله تعالى عنه عن سعيد بن أبي مريم .
قوله ( فإذا امرأة تتوضأ ) ونقل عن الخطابي وابن قتيبة أن قوله ( تتوضأ ) تصحيف ، والأصل فإذا امرأة شوهاء يعني حسناء قاله ابن قتيبة ، قال : والوضوء لغوي ، ولا مانع منه . وقال الكرماني : الجنة ليست دار التكليف فما وجه هذا الوضوء ؟ ثم أجاب بقوله ( لا يكون على وجه التكليف ) . وقال القرطبي : إنما توضأت لتزداد حسنا ونورا لا أنها تزيل وسخا ولا قذرا ، إذ الجنة منزهة عن ذلك ، وقيل : يحتمل أن يكون وضوءا حقيقة ، ولا يمنع من ذلك كون الجنة ليست دار التكليف لجواز أن يكون على غير وجه التكليف ، وقيل : كانت هذه المرأة أم سليم وكانت في قيد الحياة حينئذ فرآها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الجنة إلى جانب قصر عمر رضي الله تعالى عنه ، فيكون تعبيرها أنها من أهل الجنة لقول الجمهور من أهل التعبير : إن من رأى أنه دخل الجنة فإنه يدخلها ، فكيف إذا كان الرائي لذلك أصدق الخلق ؟ وأما وضوؤها فيعبر بنظافتها حسا ومعنى وطهارتها جسما وحكما ، وأما كونها إلى قصر عمر رضي الله تعالى عنه ففيه إشارة إلى أنها تدرك خلافته وكان كذلك .
قوله ( أعليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله أغار ؟ ) قيل : إنه مقلوب ؛ لأن القياس أن يقول أعليها أغار منك . وقال الكرماني : لفظ عليك ليس متعلقا بأغار ، بل التقدير مستعليا عليك أغار عليها ، قال : ودعوى القياس المذكور ممنوعة إذ لا يخرج إلى ارتكاب القلب مع وضوح المعنى بدونه ويحتمل أن يكون أطلق على وأراد من كما قيل : إن حروف الجر تتناوب . قلت : يجيء على بمعنى من كما في قوله تعالى : إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ قوله ( بأبي أنت وأمي ) جملة معترضة ، أي : أنت مفدى بأبى وأمي .