باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أمورا تنكرونها
حدثنا إسماعيل ، حدثني ابن وهب ، عن عمرو ، عن بكير ، عن بسر بن سعيد ، عن جنادة بن أبي أمية ، قال : دخلنا على عبادة بن الصامت ، وهو مريض فقلنا : أصلحك الله ، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعنا ، فقال فيما أخذ علينا : أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا ، وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، وعمرو هو ابن الحارث ، وبكير مصغر بكر هو ابن عبد الله بن الأشج ، وبسر بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة ابن سعيد مولى الحضرمي من أهل المدينة ، وجنادة بضم الجيم وتخفيف النون ابن أبي أمية الدوسي ، وقيل : السدوسي ، وهو الصواب ، واسم أبي أمية كثير ، مات جنادة سنة سبع وستين . والحديث أخرجه مسلم في المغازي ، عن أحمد بن عبد الرحمن .
قوله ( وهو مريض ) الواو فيه للحال . قوله ( فقلنا أصلحك الله ) يحتمل أنه أراد الدعاء بالصلاح في جسمه ليعافى من مرضه ، أو أعم من ذلك ، وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب . قوله ( فبايعنا ) بفتح العين ، أي : فبايعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، ولفظ بايع ماض وفاعله الضمير الذي فيه و نا مفعوله ، ويروى : فبايعنا بإسكان العين ، أي : فبايعنا نحن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .
قوله ( فقال فيما أخذ علينا ) ، أي : فيما اشترط علينا . قوله ( أن بايعنا ) بفتح العين ، وكلمة أن بفتح الهمزة مفسرة . قوله ( على السمع والطاعة ) أي : لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم .
قوله ( في منشطنا ) بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجمة ، أي : في حالة نشاطنا . وقال ابن الأثير : المنشط مفعل من النشاط ، وهو الأمر الذي ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله ، وهو مصدر بمعنى النشاط . قوله ( ومكرهنا ) أي : ومكروهنا .
وقال الداودي : أي في الأشياء التي تكرهونها . قلت : المكره أيضا مصدر ، وهو ما يكره الإنسان ويشق عليه . قوله ( وعسرنا ويسرنا ) أي : في حالة العسر وحالة اليسر .
قوله ( وأثرة علينا ) بفتح الهمزة والثاء المثلثة ، أي : على استئثار الأمراء بحظوظهم واختصاصهم إياها بأنفسهم ، وحاصل الكلام أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا يتوقف على إيصالهم حقوقهم ، بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم . قوله ( وأن لا ننازع الأمر أهله ) عطف على قوله ( أن بايعنا ) والمراد بالأمر الملك والإمارة ، وزاد أحمد من طريق عمير بن هانئ ، عن جنادة : وإن رأيت أن لك في الأمر حقا فلا تعمل بذلك الرأي ، بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة . قوله ( إلا أن تروا كفرا ) أي : بايعنا قائلا إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام إذ عند ذلك تجوز المنازعة بالإنكار عليهم .
وقال النووي : المراد بالكفر هنا المعاصي . وقال الكرماني : الظاهر أن الكفر على ظاهره ، والمراد من النزاع القتال . قوله ( بواحا ) بفتح الباء الموحدة وتخفيف الواو وبالحاء المهملة ، أي : ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره ، وأنكر ثابت في الدلائل بواحا .
وقال : إنما يجوز بوحا بسكون الواو وبؤاحا بضم الباء ، والهمزة الممدودة . وقال النووي : هو في معظم النسخ من مسلم بالواو ، وفي بعضها بالراء . وقال الخطابي : من رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى ، وأصل البراح الأرض القفراء التي لا أنيس فيها ولا بناء ، وقيل : البراح البيان ، يقال : برح الخفاء إذا ظهر ، ووقع في رواية حبان أبي النضر : إلا أن يكون معصية لله بواحا ، ووقع عند الطبراني من رواية أحمد بن صالح ، عن ابن وهب في هذا الحديث : كفرا صراحا بضم الصاد المهملة ثم بالراء .
قوله ( برهان ) أي : نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل . وقال الداودي : الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر ، وعن بعضهم : لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء ، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا اختلفوا في جواز الخروج عليه ، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه .