باب إذا بقي في حثالة من الناس
( باب إذا بقي في حثالة من الناس ) أي هذا باب فيه إذا بقي مسلم في حثالة من الناس - بضم الحاء المهملة وتخفيف الثاء المثلثة - وهي رديء كل شيء ، وما لا خير فيه ، وجواب إذا مقدر ، وهو ماذا يصنع . قيل : هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبري وصححه ابن حبان من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، واختلفوا ، فصاروا هكذا ، وشبك بين أصابعه . قال : فما تأمرني ؟ قال : عليك بخاصتك ، ودع عنك عوامهم " .
وقال ابن بطال : أشار البخاري إلى هذا الحديث ، ولم يخرجه ؛ لأن العلاء ليس من شرطه ، فأدخل معناه في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه . 36 - حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، حدثنا حذيفة قال : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثين ، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر ؛ حدثنا أن الأمانة نـزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم علموا من القرآن ، ثم علموا من السنة ، وحدثنا عن رفعها ، قال : ينام الرجل النومة ، فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر الوكت ، ثم ينام النومة ، فتقبض ، فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل ، كجمر دحرجته على رجلك فنفط ، فتراه منتبرا وليس فيه شيء . ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة ، فيقال : إن في بني فلان رجلا أمينا ، ويقال للرجل : ما أعقله وما أظرفه وما أجلده ، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان .
ولقد أتى علي زمان ولا أبالي أيكم بايعت ، لئن كان مسلما رده علي الإسلام ، وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه ، وأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا . مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه ، وقد ذكرنا أن ابن بطال قال : أدخل البخاري معنى حديث أبي هريرة الذي ذكرناه الآن في حديث حذيفة ، وهذا الحديث بعينه سندا ومتنا مضى في كتاب الرقاق في باب رفع الأمانة فراجعه ؛ لأن الكلام فيه قد بسطناه . قوله : " وحدثنا عن رفعها " هو الحديث الثاني ، وفيه عَلَمٌ من أعلام نبوته ؛ لأن فيه الإخبار عن فساد أديان الناس وقلة أمانتهم في آخر الزمان .
والجذر - بفتح الجيم وكسرها وسكون الذال المعجمة - الأصل أي كانت لهم بحسب الفطرة وحصلت لهم بالكسب من الشريعة . والوكت - بفتح الواو وسكون الكاف وبالتاء المثناة من فوق - الأثر اليسير . وقيل : السواد .
وقيل : اللون المخالف للون الذي قبله . والمجل - بفتح الميم وسكون الجيم وفتحها - هو التنفط الذي يحصل في اليد من العمل ، ونَفِطَ بكسر الفاء ، ولم يؤنث الضمير باعتبار العضو . ومنتبرا مفتعلا من الانتبار ، وهو الارتفاع ، ومنه المنبر .
والأمانة ضد الخيانة ، وقيل : هي التكاليف الإلهية . ومعنى المبايعة هنا البيع والشراء ، أي كنت أعلم أن الأمانة في الناس ، فكيف أقدم على معاملة من اتفق غير مبال بحاله وثوقا بأمانته أو أمانة الحاكم عليه ؛ فإنه إن كان مسلما فدينه يمنعه من الخيانة ، ويحمله ج٢٤ / ص١٩٧على أدائها ، وإن كان كافرا - وذكر النصراني على سبيل التمثيل - فساعيه - أي المولى عليه - يقوم بالأمانة في ولايته ، فينصفني ، ويستخرج حقي منه . وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة ، فلست أثق اليوم بأحد أأتمنه على بيع أو شراء ، إلا فلانا وفلانا ، يعني أفرادا من الناس قلائل .